فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 60

في الآخرة، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل، فقال - عز وجل: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [1] .

والأخوة من النعم التي ذكرها الله تعالى في معرض الامتنان على المؤمنين إذ ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا متفرقين، فأصبحوا بنعمته إخوانًا بالألفة متفقين، فقال عزّ قائلا حكيما: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [2] .

(واعلم أنّ الأخوة في اللّه عزّ وجلّ، والمحبة في اللّه - عز وجل -، وحسن الصحبة، كانت طرائق السلف الصالح، قد درَست اليوم محاجّها، وعفت آثارها، فمن عمل بها فقد أحياها، ومن أحياها كان له مثل أجر من عمل بها. فمن رزقه اللّه أخًا صالحًا تطمئن به نفسه، ويصلح معه قلبه، فهي نعمة من اللّه - عز وجل -) [3] .

وقد تأملت واقع المعاملة والمخالطة في زمننا بحثا عن هذا الأصل العظيم، فوجدته قد بهت اسمه، وكاد يرتفع من بين الناس رسمه، ولم نعد نسمع عن معاني الأخوة وقضاء حوائج الإخوان إلا ما ورد عن السلف من أخبار وحكايات، وكأنها أساطير. قال ابن الجوزي رحمه الله: (نُسخ في هذا الزمان رسم الأخوة و حكمه، فلم يبق إلا الحديث عن القدماء، فإذا سمعت بإخوان صدق فلا تُصدّق) [4] . وقال معلّلا في موضع آخر: (والسبب في نسخ حكم الصفا، أن السلف كان همتهم الآخرة وحدها، فصفت نياتهم في الأخوة

(1) سورة الحجر، الآية: 47.

(2) سورة آل عمران، الآية: 103.

(3) قوت القلوب 2/ 395.

(4) ابن الجوزي في التبصرة 2/ 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت