فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 3

هجرة الحبشة.. دروس وتأملات

مصطفى عاشور

يوافق شهر"رجب"مرور أكثر من ألف وأربعمائة وثلاثين عامًا على"هجرة الحبشة"أول هجرة في الإسلام، ورغم مرور هذه السنوات الطوال عليها؛ فإن عبرها ودروسها ما زالت حية، رغم قلة الالتفات إليها، ولعل استمرار الحياة والنبض في دروس هذه الهجرة يرجع إلى أنها انطلقت في الأساس من رؤية إستراتيجية في التوقيت والمقصد ونوعية المهاجرين وعددهم، ومدة البقاء الطويلة التي امتدت قرابة الثلاثة عشر عامًا متواصلة، ولم تنته إلا بأمر مباشر من النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن المفارقات العجيبة في هذه الهجرة أن ذهاب"عمرو بن أمية الضمري"رضي الله عنه إلى النجاشي ملك الحبشة حتى يرد المسلمين الذين هاجروا إلى المدينة صادف ذهاب"عمرو بن العاص"الثاني (كان قد ذهب مبعوثا من قريش إلى النجاشي ليرد المسلمين إلى مكة في أول هجرتهم) إلى النجاشي طالبًا اللجوء السياسي بعدما أصبح للإسلام الكلمة العليا، وكان عمرو ساعتها على شركه.

الهجرة في الإسلام

الهجرة في الإسلام ليست حركة انسحابية فرارًا من الأذى والاضطهاد، ولكنها في حقيقتها مجاهدة وجهاد لتغيير الواقع، وتحقيق الهدف، وتجاوز حالة الضعف والركود، وسبيل لاسترداد الفاعلية والقدرة على الفعل، ومحاولة جادة للإقلاع من جديد.

يقول أ. عمر عبيد حسنة:"ومن ثم فالهجرة حركة إيجابية، وخطة إستراتيجية ورؤية مستقبلية واختيار للموقع الفاعل، وتحول إلى الفعل المجدي، وتجاوز لحالات الحصار والعقم؛ لأن المسلم يحمل رسالة عالمية، كما أنها امتداد بالرسالة إلى خارج الحدود الضيقة والقلوب المتحجرة؛ لأن الداعية والمسلم الحقيقي هو الذي يغير موقعه ولا يغير هدفه، وما دام الموقع ليس مقصدًا كانت الهجرة محاولة للالتفاف على حالة الحصار المفروضة، بل وإعطاء المسلم القدرة على محاصرة حصاره؛ لأن الإسلام عقيدة تحررية تهدف لتخليص الإنسان من الأغلال والجواذب التي تعيق حريته وحركته؛ لذلك فإن الإسلام لا يؤتي ثماره إلا في مجتمع الحرية، ومن ثم كانت الهجرة محاولة جادة للخروج من حالة التجمد والتحوصل".

التهيئة الربانية

بدأت هجرة الحبشة في رجب، سنة (5) من البعثة النبوية، وكانت هجرتين: الأولى ضمت 12 رجلا، و4 نسوة، وكان على رأسهم"عثمان بن عفان"وزوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم. أما الثانية فضمت 82 أو 83 رجلا، و8 أو 19 امرأة، إضافة إلى الأشعريين الذين خرجوا من اليمن بقيادة أبي موسى الأشعري متجهين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فألقت الريح بسفينتهم إلى شواطئ الحبشة بدلا من جدة (حاليًا) فانضموا إلى جعفر بن أبي طالب، ومن معه من المسلمين.

وسبقت الهجرة إلى الحبشة تهيئة نفسية من القرآن الكريم للمسلمين للقيام بهذه المهمة الكبيرة الإستراتيجية التي تتجاوز تفسيرات البعض بأنها كانت فرارًا من الأذى والاضطهاد؛ ففي تلك الفترة نزلت"سورة الكهف"التي اشتملت على 3 قصص تحمل إشارات بليغة من الله تعالى للمؤمنين بأن عليهم أن يستعدوا للقيام بمهمة عظيمة من الواجب أن يكونوا أهلا لها.

فأرشدتهم قصة"أصحاب الكهف"إلى أن الهجرة من ديار الكفر والاضطهاد ضرورة في حالة الخوف من الفتنة، وأن الله تعالى الذي ربط بالإيمان على قلوب هؤلاء الفتية الذين هاجروا إليه، مدة تزيد على الثلاثمائة عام، كان يرعاهم فيها بحوله وقوته.. قادر على أن يربط على قلوب هؤلاء المهاجرين المسلمين، كما أن الزمن في صالح دعوة التوحيد؛ لأن"فتية الكهف"تركوا قومهم وهم على الكفر، وعندما بعثهم الله بعد هذه المدة الطويلة كان قومهم من المهتدين المؤمنين؛ لأن التوحيد هو أصل الوجود.

أما قصة موسى والخضر عليهما السلام فتشير إلى أن الظروف لا تؤتي نتائجها حسب الأسباب الظاهرة دائمًا، بل ربما تأتي النتيجة على خلاف السبب الظاهر، وبالتالي فخروج المسلمين اليوم من مكة مهاجرين إلى أرض تتوافر فيها قيمة العدل والحرية ليست نهاية المطاف؛ لأن خرق السفينة في قصة الخضر كان سببًا في نجاتها.

أما قصة"ذي القرنين"فتشير إلى أن الأرض لله يورثها من يشاء، والمؤمنون المصلحون هم الأولى بهذه الوراثة، وأن الله تعالى لا يزال يبعث من عباده رجالا أقوياء يقومون بنصرة المظلومين والمستضعفين. فالله الذي بعث"ذا القرنين"لإقامة سد"يأجوج ومأجوج"لإنجاء الضعفاء قادر على أن يبعث لهؤلاء المسلمين المستضعفين ملكًا مثل"النجاشي"يحميهم ويحول دون عدوان قريش عليهم.

لماذا الحبشة بالذات؟

كان المعيار الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم لاختيار الحبشة مقصدًا للهجرة هو العدل والحرية في ممارسة العقيدة، وجاء في سيرة"ابن هشام"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين:"لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلَم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت