وأحاط المسلمون خروجهم للحبشة بسرية تامة؛ إذ كانت قريش لا تعلم بما يفعله المسلمون إلا بعد أن يصبح ماضيًا.
الهجرة رسالة اجتماعية
كان اضطهاد قريش للمسلمين شديدًا، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة الثانية للحبشة ولكن بأعداد كبيرة اقتربت من المائة شخص، وهو ما يشير إلى تطور نوعي وكمي، فهذا العدد يمثل نسبة لا بأس بها من سكان مكة في تلك الفترة خاصة أنهم من الشباب، ومعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث برسالة اجتماعية إلى أغلب بيوتات مكة من خلال هذا الشباب المهاجر، مفادها أن رباط الدين في نفوس هؤلاء الفتية أقوى من أي رباط آخر، وأن هؤلاء على استعداد للتضحية في سبيل هذا الدين إلى أبعد مما تتصور قريش، والدليل على ذلك أنهم تركوا وطنهم وانطلقوا إلى الحبشة، التي يظن أهل مكة أنهم أفضل من سكانها الأحباش ذوي البشرة السوداء الذين يشكلون غالبية عبيدهم.
الرسالة الأخرى أن مكانة قريش ستصبح محل شك وجدل كبير بين سائر العرب؛ فقريش التي كانت تفاخر بأنها مجتمع الأحرار ذوي الغيرة والنجدة الذين يجيرون الضعيف ويؤون الغريب، باتت مجتمعًا مهتزًّا غير متماسك، يهرب أبناؤه من الظلم والاضطهاد، ليستجيروا بالأحباش.
وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم لتوصيل هذه الرسالة الاجتماعية خيرة أبناء قريش من أبناء السادة والأشراف حتى تكون الرسالة بليغة وموصلة لهدفها وغايتها، حيث شملت هذه الهجرة الغالبية العظمى من بطون وقبائل قريش.
كانت هذه الهجرة الكثيفة رسالة عميقة التأثير من الناحية الاجتماعية، اهتز لها وجدان بعض أهل مكة تأثرًا وتعاطفًا، وتدخل بعض عقلاء قريش لوقف هذا النزيف البشري، ومنهم ابن الدغنة الذي حاول إثناء بعض المسلمين عن الهجرة.
الملاذ الآمن وقاعدة الانطلاق الاحتياطية
كانت هجرة الحبشة ذات دوافع إستراتيجية، فقراءة قائمة المهاجرين التي أوردها"ابن هشام"تكشف أن هؤلاء المهاجرين كانوا من شباب قريش الذين يتمتعون بمنعة وقوة في قومهم تحول دون تعرضهم للأذى، أو حتى لا يتعرضون للأذى إلا في الحدود الدنيا على خلاف المستضعفين الآخرين مثل"بلال"و"خباب"رضي الله عنهما، وكان هؤلاء المهاجرون بتعبير عصرنا الحالي هم أفضل كوادر الإسلام من الشباب الممتلئ يقينا بعقيدته، ونشاطًا بالحركة لخدمتها، وقدرة على العطاء الطويل. وتطلب الحفاظ على هذه القاعدة الصلبة من الكوادر الممتازة، عدم التضحية بها في اضطهاد البيئة المعادية لها التي تصيب نموهم وحركتهم بالقزمية، وبالتالي كان نقلهم إلى بيئة جديدة تتمتع بالحرية حتى ينطلقوا بهذا الدين الخالد.
كما أن هؤلاء المهاجرين ينتمي غالبيتهم إلى الفئة العمرية ما بين العشرين والثلاثين، وبالتالي فهم يصلحون لأن يكونوا قاعدة انطلاق احتياطية ضد أي محاولة غادرة من المشركين لتطويق الإسلام؛ لأن هذا القاعدة البعيدة في الحبشة يمكنها أن تنطلق بالإسلام من جديد، ومن ثم لا يمكن سحب البساط كلية من تحت أقدام الإسلام بتحالفات كبرى تضرب المسلمين في مكة، أو في المدينة المنورة.
والدليل على أن هذه الهجرة كانت بدوافع إستراتيجية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر"جعفر بن أبي طالب"بالإقامة في الحبشة، ولم يرسل إليه بالحضور بعدما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة أو حتى بعد انتصاره في غزوة بدر، ولكن أرسل إليهم بعد مرور 7 سنوات على هجرة المدينة؛ وذلك لأن عوامل الخطر ما تزال ماثلة ومهددة للإسلام والمسلمين؛ فاليهود يهددون المدينة تهديدًا مباشرًا، والمشركون يهددون الإسلام تهديدًا ضاغطًا من الخارج يعوق خروج الإسلام وانتشاره خارج المدينة، وتطلب عودة هذه القاعدة الاحتياطية ضرورة تفتيت هاتين القوتين والحيلولة دون وجود أي تحالف إستراتيجي بينهما لمواجهة المسلمين على غرار التحالف الغادر أثناء غزوة الأحزاب.
ويكفي أن نعلم أن مهاجري الحبشة كانوا شوكة في ظهر قريش حاولت إخراجها بالذكاء والمال، وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن ذهاب عمرو بن العاص إلى"النجاشي"ملك الحبشة محملا بالهدايا الثمينة لإحضار هؤلاء المسلمين جاءت بعد غزوة بدر؛ حيث رغب المشركون أن يضربوا المسلمين ضربة موجعة كنوع من الرد على هزيمتهم النكراء في بدر.
وكانت العودة في وقتها
وقد ارتبطت عودة مسلمي الحبشة ببعض التطورات الإستراتيجية لحركة الإسلام في شبه الجزيرة العربية؛ إذ حصلت دولة الإسلام بالمدينة على اعتراف من المشركين بعد صلح الحديبية بأنها دولة شرعية يحق لها التفاوض مع غيرها، كذلك نجاح النبي صلى الله عليه وسلم في تنحية الخطر اليهودي عن المدينة المنورة بعد ضربات موجعة بدأت بعد غزوة بدر، وانتهت مع خيبر أي مع قدوم مهاجري الحبشة.