الصفحة 67 من 1632

شرح صحيح البخاري

ما مسست ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول صلى الله عليه وسلم).

أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن، وكان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من البادية فيسأل ونحن نسمع) ، فلو أن شخصًا من أهل المدينة سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالًا بعد النهي؛ لكان له أن يعزره، أما هذا الأعرابي فلم يشهد النهي، فقد جاء من بعيد، وسأل النبي عليه الصلاة والسلام؛ فما كان يعنفه، إنما كان يتلطف معه، وهذا هو مستند الذين قالوا: بل لم يسمع؛ لأنه كان يعامل الأعراب معاملة خاصة غير معاملة أهل الحضر.

وفي الحقيقة هناك أدلة تبين هذا، أذكر بعضًا منها: في سنن أبي داود و النسائي من حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري(أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قعودًا لرجل من الأعراب -والقعود: جمل صغير السن- فقال: بعني جملك.

قال: بكم؟ فقال: بكذا.

فقال: إذًا.

اشتريت منك الجمل، وسأعطيك الثمن عندما نرجع إلى المدينة.

وجاء صحابي من الصحابة لم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام اشترى الجمل، فأعجبه الجمل، فقال للأعرابي: أتبيع الجمل؟ قال: بكم؟ قال: بكذا.

وذكر ثمنًا أعلى من ثمن النبي عليه الصلاة والسلام، فعلم النبي عليه الصلاة والسلام أن الأعرابي باع الجمل، فقال: يا أعرابي! أولم تبعني الجمل؟ فقال: ما بعتك شيئًا.

قال: كلا يا أعرابي! بل بعتني.

قال الأعرابي: هلم شهيدًا يشهد أنني بعتك.

والصحابة يلوذون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون للأعرابي: ويحك! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقًا.

وهو يقول: هلم شهيدًا يشهد أنني بعتك.

وحينئذٍ انبرى خزيمة بن ثابت الأنصاري وقال: أنا أشهد أنك بعته الجمل.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بم يا خزيمة؟ قال: بتصديقك)، أي: أنك لا تكذب، ولو لم أكن حاضرًا لهذه الصفقة وهذا البيع فأنت قد اشتريت الجمل، والأعرابي قد باعك الجمل، (بتصديقك) ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين؛ لأجل هذا الأمر، وهذا من خصوصيات خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه.

والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكفر هذا الأعرابي، ولم يقل له: كذبت رسولك فكفرت، فاغتسل إذًا، وجدد الإسلام، وانطق بالشهادتين؛ لأنه راعى هذه المسألة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام كثير الاحتمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت