الصفحة 41 من 646

ولما كان الذبّ عن كتاب الله سبحانه، هو من الفروض التي حثّ الشرع على القيام لها، والقيام بها .. فإننا سنتولى في هذا الكتاب الردّ على هذا الطعن مستضيئين بنور العقل الواعي، والتاريخ القاطع، والعلم اليقيني .. جاعلين الحقائق الموضوعيّة التي تستوي المناهج العلميّة في التسليم بحجيّتها والثقة في دلالتها، الفيصل في الحكم في هذه الدعوى. ولن يكون القرآن الكريم فيصلًا في إعلان الحكم النهائي من هذه الدراسة؛ لأنّه الخصم الذي لا يُسَلَّم له المخالف بالحجيّة، بل ويتخذه مرمى لشبهاته، فإن استدللنا بالقرآن الكريم فإنّما من باب أنّه (وثيقة تاريخيّة) معتبرة عند مخالفينا، وهذا أمر لا يمكن لمن لا يسلّم بربّانيّة القرآن الكريم أن يردّه.

وإنّ من غايات هذه الدراسة أن تفيد القارئ العربي بما يعينه على استيعاب آخر ما كتبه المستشرقون والمنصّرون مع ما تراكم سابقًا في المكتبتين الاستشراقيّة والتنصيريّة من دراسات كثيرة .. وإنّي لأرجو للقارئ الذي يستوعب مباحث هذا الكتاب أن يكون قد أحاط بأهم ما يتداوله الأكاديميون الغربيون في هذا الموضوع، وأن يكون قادرًا على أن يجادل في دقائق هذا الموضوع بعلم وبصيرة بما يجلو عن القرآن الكريم ران المحرّفين.

وإنّي لأرجو -بكرم الله جلّ وعلا- أن أكون قد وفّيت هذا الموضوع حقّه؛ فقد كان يراود ذهني منذ زمن بعيد، وما تهيّبت التأليف في بابه إلاّ لسبب وحيد؛ وهو ألاّ أجد سعة من الوقت لأحيط بأهم عناصره؛ فمثل هذا الموضوع لا يؤدّيه حقّه العرض السريع لمباحثه، ولا يقال في أمر فيه بالظن المجرّد، ولا يطلق فيه القول دون توثيق من أمّهات الكتب والمراجع المتخصصة التي هي عمدة الباحثين في الغرب والشرق. وقد كنت أرجو أن يتناوله غيري في دراسة علمية يستفرغ فيها الوسع، غير أنني لما رأيت التجاهل (الغريب) لهذا الموضوع في المكتبة العربيّة، رغم أنّه مادة ثابتة في كتابات الطاعنين في القرآن الكريم [1] ؛ توكّلت على الذي لا يخيّب رجاء عبده

(1) انظر تعليق المستشرق (( برنارد لويس ) )على تجاهل علماء المسلمين لما كُتِب عن الأثر اليهودي في صياغة القرآن الكريم، وقوله إنّ دعوى أنّ القرآن الكريم متأثر بكتابات اليهود لم تثر غير حفيظة النقّاد غير المسلمين الذين يرون أنّ القرآن الكريم متأثّر بالنصرانيّة لا اليهوديّة!!؟ (انظر؛ Bernard Lewis,The Jews of Islam, New Jersey: Princeton University Press, 1984, p)

ولعلّه من أكثر ما يأسف له المرء هو أن يرى أنّ الذين يردّون على أهم الشبهات المحدثة حول القرآن الكريم اليوم هم من غير المسلمين، لا رغبة منهم في الانتصار لربّانيّة القرآن الكريم، وإنّما لأنّهم يقدّمون -في رأيهم- وجهًا أقوى للطعن في كتاب الله سبحانه؛ فهم إذًا (يتخاصمون) في أمر (أقوى) الطعون!! .. وأمّة الإسلام بكتّابها المتكاثرين و (خرّيجي) جامعاتها الشرعيّة المتراكمين تراكمًا لم يزدهم إلاّ ضعفًا، في غيبة عن شهود هذه السجال التي ينال فيه المخالفون من قداسة كتابها؛ ألا ترى أننا نعيش في زمن سيطرت فيه عقلية (النقل) و (النسخ) عن المتقدمين؛ فلسنا (نحسن) إلاّ ما أحسنوه (!) ... ومن الأمثلة التي (يحزنني) و (يدمي قلبي) أن أذكرها، ما شاع في الكتابات الغربية على مدى قرون أنّ اسم والد (( إبراهيم ) )عليه السلام كما هو في القرآن الكريم: (( آزر ) )، مأخوذ خطأ من كتاب مؤرّخ الكنيسة (( يوسابيوس ) ): (( تاريخ الكنيسة ) )حيث ورد أنّ اسم والد (( إبراهيم ) )عليه السلام هو (( ) ) (آثر) . وقد قال أصحاب هذه الشبهة إنّ تحويرًا بسيطًا في هذا الاسم سيجعله ينطق (( آزر ) )، واستمر تداول هذه الشبهة في عشرات الكتب منذ القرن السابع عشر، حتّى (تفضّل!) المستشرقون بالقول إنّ الكلمة اليونانيّة الأصليّة الواردة في كتاب (( يوسابيوس ) )هي (( ) ) (أتار) لا (( ) ) (آثر) ، وأنّ النص في حقيقته لم يذكر والد (( إبراهيم ) )عليه السلام أصلًا؛ فالنص يقول (الترجمة الإنجليزيّة:( Of these, some excellent men lived before the flood, others of the sons and descendants of Noah lived after it, among them Abraham, whom the Hebrews celebrate as their own founder and forefather) Eusebius, The History of the Church, tr. Arthur Cushman McGiffert, K.S.: Digireads, 2005, p.11)، ( الترجمة الفرنسيّة:( Plusieurs d'entre eux ont vecu avant le deluge; d'autres ont existe plus tard, tels les fils et les descendants de Noe, tel Abraham que les fils des Hebreux se glorifient d'avoir pour chef et pour premier pere) Eusebe, Histoire ecclesiastique, Paris: Alphonse Picard, 1905, pp.45,47 )) ، ثم اخترع المستشرقون احتمالات أخرى لتفسير أصل وجود اسم (( آزر ) )في القرآن الكريم، كلّها تطعن في ربّانيّة كتاب الله (انظر؛ Arthur Jeffery, Foreign Vocabulary of the Qur'an, Oriental Institute Baroda, 1938, pp. 53 - 55) .. والأمثلة أكثر من أن تحصر .. ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم!

وليس (للكسالى) هنا محل للكلام باستعراض حجّتهم البليدة بالقول إنّ هذه الشبهات (سخيفة) ولسنا في حاجة إلى الرد عليها؛ فإننا لم نر هؤلاء يردّون على الشبهات (الذكيّة) ولا (السخيفة) ولا (ما بينهما!) ، وإنّما هي حجّة القاعد المستسلم (لرخاوة) عقله. إنّ الشبهات لا تقسّم إلى (سخيفة) و (جادة) ؛ فالباطل هو الباطل، وإنّما تقسّم إلى شبهات (رائجة) وأخرى (غير رائجة) ، ومن هذه النقطة يكون مبتدأ العمل الفكري في دفع الأباطيل؛ ألا ترى أنّ القرآن الكريم يزخر بالآيات التي تنفي ألوهيّة الأصنام وقدرتها على النفع والضر، رغم أنّه لا يستريب أحد اليوم أنّ عبادة الأصنام دين مسف في الضلال، وما جاءت الآيات في نقض هذه العقيدة الباطلة إلاّ لأنّها كانت رائجة زمن نزول القرآن الكريم.

وإنّ أمانة الكلمة تدفعني لأقول إنّ الخطاب العلمي الإسلامي لم يلامس إلى اليوم ساحات النشاط الأكاديمي الغربي؛ فلازالت عامة الكتابات التي تتحدث عن الغرب باللغة العربيّة، متشبّعة (بالهلاميّة) في التصوّر والطرح والنقد، ومسرفة في الإجمال المخل الذي يقصر عن طرح (مشروع) علمي دعوي متكامل. كما أنّ الكتابات الإسلاميّة المترجمة من العربيّة إلى اللغات الأوروبيّة أو المؤلّفة باللغات الأوروبيّة ابتداءً، متوجهة فقط إلى مخاطبة عوام الغربيين، ويكاد يقتصر الخطاب الذي يريد دفع الشبهات الكبرى عن الإسلام في الدوائر الأكاديميّة الغربيّة على بعض الكتّاب الغربيين غير المسلمين -المتعاطفين مع الإسلام- كـ (( جون إسبوزيتو ) ) (( John Esposito ) )و (( كارن أرمسترنج ) ) (( Karen Armstrong ) )- إلاّ استثناءات قليلة جدًا من المسلمين-!! .. فمتى ندرك أنّنا نعيش اليوم في عالم لا يرحم (الكسالى) ، ولا يحترم (مدمني البطالة الفكريّة) ، ولا يعترف بـ (محبي الاسترخاء العقلي) ؟!!

لقد كان سلفنا من أهل القرون الهجريّة الأولى هم الذين أسّسوا علم مقارنة الأديان، وكان اليهود عالة عليهم في الجدل الديني ضد النصرانيّة، وهم -أولئك الأجداد- الذين قدّموا لأوروبا العناصر التي بدأت منها في -ما يسمى- (بعصر النهضة) بتأسيس الدراسات الكتابيّة العلميّة (كلّ ذلك باعتراف المستشرقة الإسرائيلية(( Hava Lazarus-Yafeh ) )- انظر؛ Hava Lazarus-Yafeh, 'Some Neglected Aspects of Medieval Muslim Polemics against Christianity,' in The Harvard Theological Review, Vol. 89, No. 1 (Jan., 1996) , pp. 65 - 70 )، لكننا في القرون الخمسة الأخيرة (من السادس عشر إلى العشرين) عشنا خارج (تاريخ) علم مقارنة الأديان .. فهل من عودة؟! وهذا هو الأمل!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت