الصفحة 40 من 646

جعيط )) في كتابه: (( تاريخية الدعوة المحمدية في مكة ) )، وهو كاتب غرّ فكريًا إلى درجة الإحساس بفقدان الذات؛ قد أوقعه ضمور الحسّ النقدي عنده، وأميّته المعرفيّة البائسة في باب المعارف النصرانيّة -سواء المكتوبة بلسان كنسي أو المحرّرة من طرف منتقدي الكنيسة!، في ارتكاب عمايات علميّة، وإطلاق إجمالات بدائية تشفّ عن نفسيّة متشنجّة تسعى للشهرة ولو (بالتجمّل) بأطمار الجهل الفاضح! [1]

وإذا كان المستشرق (( وات ) ) (( Watt ) ) [2] ، يقول إنّ المستشرقين الغربيين يسيئون استعمال القالب العلمي لتأكيد أفكارهم المسبّقة [3] ، فإنّ (( جعيط ) )وأضرابه، يستغلون البداوة العلميّة لتلاميذهم للترويج لنقولهم غير الأمينة!

لا ريب أنّ الاستشراق التنصيري -كما كان- هو المصدر الأوّل لدعوى الاقتباس القرآني من أسفار أهل الكتاب؛ فهو الذي اختلقها، وهو الذي رعاها نطفة، فجنينًا، فوليدًا، وهو الذي وظّف كتابات الاستشراق غير الكنسيّ لخدمة هدفه، وهو الذي يروّج لهذه الدعوى بكثافة في كلّ اللغات المتاحة لديه- وهي كثيرة جدًا-.

(1) يتميّز كتاب (( جعيط ) )في السيرة النبويّة -والحديث أساسًا عن الجزء الثاني- بثلاث ميزات هامة؛ أولها- أنّه قد (( سطا ) )على كتابات المستشرقين وجمع بينها في صورة فجّة مشوّشة، ولا يكاد يُعرف له في كتابه قول لم يسبق إليه، رغم أنه قد خرج على الصحافة بعد أن أثار كتابه موجة استنكار ليقول بكلّ (توقّح) إنه لولا ما في كتابه من طرافة وإبداع لم يكن لينشره، وتتميّز هذه (التوليفة) ، أنها قد جمعت أشد الاعتراضات المتطرّفة ضد القرآن الكريم، بما يعطي للكتاب نكهة (تنصيريّة) حيث ينشغل الكاتب في (لملمة الشبهات وجمع الاعتراضات ولو كانت متشاكسة) ، إلاّ أن كاتبه ليس على قبلة النصرانيّة عقيدة، أمّا الأمر الثاني- فهو الفقر الشديد في مراجع كتابه والعجز (المرضي) عن الإحاطة بجوانب الموضوع، والعرض (الباهت) لنتائج الأبحاث التي سطا عليها دون أن يبدي مقدماتها وأدّلتها، وثالث هذه الأمور-، جهله الظاهر بالدراسات الكتابيّة التي اقتحم بابها دون زاد من قراءة ناقدة، بل من قراءة مجرّدة، ولذلك وردت في كتابه أخطاء علميّة (ساذجة) ودعاوى فجّة (فاقعة) لا يقع فيها مبتدئ في العلم، سنعرض لها لاحقًا في هذا الكتاب.

(2) ويليام مونتغمري وات (1909م-2006م) : مستشرق إسكتلندي. كان أستاذًا للغة العربيّة والدراسات الإسلاميّة في جامعة إدنبرة. عمل فترة من حياته قسيسًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت