فهرس الكتاب
أميّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم
تنبني دعوى الاقتباس المزعومة على عناصر أساسيّة لا بدّ منها لتكتمل شروط صحّة الإدانة -على فرض أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد أخذ عن أسفار أهل الكتاب مباشرة-؛ من أهمها امتلاك محمد صلّى الله عليه وسلّم للأدوات العلميّة المكتسبة للاطلاع المباشر على الأسفار المقتبس منها. ويعتبر التأكيد الإسلامي على أميّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم عقبة تقف دونها ركائب المنصّرين وعامة المستشرقين، فلا يمكن أن تعبر إلى إثبات الدعوى، إلاّ بإبطال حقيقة هذه الأميّة!
وأوّل ما يواجه المنصّرين والمستشرقين في هذا الشأن هو أنّ مصنفات الحديث والسيرة بالإضافة إلى القرآن الكريم، هي المصادر التاريخيّة الوحيدة المعتبرة لمعرفة خبر محمد صلّى الله عليه وسلّم فيما يتعلّق بكلّ أمره .. وليس للمنصّرين والمستشرقين مدخل آخر لهذا الموضوع ولا أدوات أخرى موضوعية حاسمة للبحث فيه ..
والناظر في منهج هؤلاء المخالفين؛ يرى بوضوح أنهم يعمدون إلى الضعيف من النقول، أو إلى المتشابه من الأقوال، أو البعيد من الاحتمالات التي لا تطيقها النصوص .. ويتركون في مقابل ذلك نصوص صريحة، صحيحة، محكمة، مباشرة ..
ويبدو أنّ من أسباب هذا النهج أمرين؛ أولهما: الرغبة المستحكمة في الوصول إلى النتيجة المرادة التي هي إدانة محمد صلّى الله عليه وسلّم وإنكار ربّانية القرآن الكريم .. وثانيهما: التأثّر بالمناهج الغربيّة في نقد النصوص الدينية حيث يرفض الباحث النصوص الدينية منطوقًا ومفهومًا ويتعلّق بهوامش تاريخية ولغوية يبني عليها فهمه للشأن الديني والتاريخي كلّه. ولئن كان الناقد الغربي له شيء من العذر في نهج ذلك المسلك مع تلك الأسفار التي ثبت قطعًا أنها ساقطة تاريخيًا وأنها كتابات ظرفيّة متشبّعة بالكثير من المعائب العلميّة والأدبيّة، حتّى اختفت معالم الوحي فيها وراء الدخيل الكثيف، فإنّ الأسفار الإسلامية (قرآنًا وسنة) لا تحمل من تلك الأوضار شيئًا، وإنما هي في طهرها التاريخي ناصعة نقيّة ..