الصفحة 50 من 646

لقد جاء أمر نسبة الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى الأميّة في الكتاب والسنة في مواضع عدة، والمنصّرون ومن شايعهم من المسشرقين، يعمدون أمام هذه النصوص إلى أحد نهجين:

أ ردّ النصوص واعتبارها افتعالًا إسلاميًا لا حقيقة تاريخيّة. وهو موقف أيسر تكلفة من ناحية ترتيب المصادر والتوفيق بينها، لكنه الأعسر في نفس الآن من حيث علمية المنهج وحجيّة المصادر ..

ب قبول مجمل النصوص التاريخية (الإسلاميّة) ، ولكن مع رفض مضمونها المباشر، وإنّما استنطاقها خارج الحقل الدلالي النبوي، والأثري عامة.

ولما كان النزاع مع المنصّرين هو في فهم عبارة (الأميّة) ؛ فإنّه علينا أن نفسّر هذا الاصطلاح في إفراده اللغوي، ثمّ في سياقه القرآني والنبوي؛ حتّى نكون قد استنطقنا بحق وعدل المرجع العلمي الوحيد في هذا الشأن.

شهادة اللغة

لا يَسلم التعريف اللغوي للفظ العربي من الخطأ، إلا أن نعود إلى أهل اللغة الذين تتبعوا استعمالات العرب للألفاظ المراد تبيّن معناها؛ لاستخراج نقشها الدلالي في الذهن الجماعي زمن الخطاب. وقد شطّ في الطرح وتكلّف في الاستدلال، من جنح إلى تفسير اللفظ العربي خارج سياقه بين أهله؛ وإنّما بالعودة ابتداءً [1] إلى مقابله الكتابي -متجاهلًا تمايز الدلالة الاصطلاحيّة حين وجودها- أو استنطاقه في مشتركه السامي، بالعودة أساسًا إلى اللغة السريانيّة أو العبريّة اللتين تشاركان اللغة العربيّة الجذر السامي الأوّل، حال وجود تمايز دلالي محكم .. [2]

(1) اللغات الساميّة مفيدة في فهم ما غمض من الألفاظ العربيّة، إذا كانت هذه الألفاظ دخيلة على اللسان العربي أو كانت من المشترك السامي، لكنّها غير معتبرة إذا ثبت لنا من خلال التصريح أو الاستقراء معنى مُحكمٌ في العرف اللساني البياني العربي ضمن السياق الزمني المقصود.

(2) لعلّ هذه (الموضة) هي الأكثر رواجًا هذه الأيام في المكتبة الاستشراقيّة بين أصحاب (الفانتازيا) الفكريّة و (التقليعات) النقديّة الحديث؛ ولو كان رصيدها من الواقع شديد الهزال؛ ولذلك لا نستغرب أن نقرأ قول (( جبرائيل صاوما ) ) (( Gabriel Sawma ) )في كتابه: (( The Qur'an: Misinterpreted, Mistranslated and Misread: the Aramaic Language of the Qur'an ) )ص 103، مخاطبًا (الكائن الغربي) في سبيل إثبات أنّ القرآن كتاب (سرياني اللفظ والدلالة) (!) : (( اليوم، من يتكلّمون السريانيّة أقدر على فهم معاني القرآن أكثر ممن يتكلّمون العربيّة؛ رغم أنّ الكثير من الألفاظ القرآنيّة قد تمّ تعريبها على مدى الأربعة عشر قرنًا الماضية. ) ).. لا شكّ أنّه لا يمكن أن يجهر هذا المؤلّف بمثل هذه الدعوى (الموؤودة) في بيئتنا العربيّة .. علمًا أنّ هذا الكاتب الذي زعم أنّه يفسّر القرآن بالسريانيّة (!) والذي يحسن فهم لغة القرآن أكثر من أصحاب اللسان العربي (!) ، قد عجز في بعض الأمثلة التي عرضها، عن قراءة اللفظ العربي أو نقحرة ( transliteration) الآيات وأسماء الأعلام .. (إلاّ الحماقة أعيت من يداويها!) !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت