الصفحة 49 من 66

هذا كله من الغلو الذي حذَّر الله منه ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} [المائدة: 77] ، قال العلماء: الغلو هو مجاوزة الحد في مدح الشيء أو ذمه، وضابطه تعدي ما أمر الله به، والغلو كثير في النصارى، فإنهم غلوا في عيسى عليه السلام فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا مع الله، يعبدونه كما يعبدون الله، بل غلوا فيمن زعم أنه على دينه من أتباعه، فادعوا فيهم العصمة، فاتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقًا أو باطلًا، قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31] . فالغلو في الإنسان سبب لعبادته، ولهذا حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من مجاوزة الحد في مدحه والغلو فيه فقال صلى الله عليه وسلم:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله فقولوا: عبد الله ورسوله" [رواه البخاري عن عمر] . والإطراء هو مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه.

وقبل النصارى قوم نوح عليه السلام فإنهم كفروا لما غلوا في الصالحين قال تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا} [نوح: 24] ، قال ابن عباس هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبِدتْ.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان ع موسى عن محمد بن قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كانوا أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت