وإذا كان اليهود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد كان فيهم شيءٌ من الحذر من فعل شيء في يوم السبت، فإن يهود اليوم لا حرمة لديهم للسبت في دينهم حتى.
وقد روت كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا حاصر يهود بني قريظة خمسًا وعشرين ليلة، وجهدهم الحصار، نصحهم زعيمهم كعب بن أسد قائلًا: إن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمدٌ وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا -عنصر المباغتة- لعلنا نصيب من محمدٍ وأصحابه غرةً، فقالوا له بقية اليهود: نفسد سبتنا علينا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا، إلا من قد علمت -يعني من الممسوخين- فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ، فكفوا، لكن يهود اليوم لم يكفوا، وصار عدوانهم في يوم السبت وهو حرامٌ عندهم، فحتى دينهم الباطل لم يحترموه، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) سورة الأنفال.
ومصداقًا لما أخبر الله به من عداوة اليهود للمؤمنين، وأنها تاريخية مستمرة إلى قيام الساعة، لا تهدأ حتى يقاتل آخرهم مع الدجال، هذه الحقيقة التاريخية التي يتغافل عنها الذين يظنون بأن اليهود يمكن عقد معاهدات معهم، أو أن نعيش معهم في سلام، حقدهم دفين، عداوتهم عظيمة، {بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} (118) سورة آل عمران، فقاموا بجريمتهم النكراء، في هذه المجزرة التي حصدت المئات من قتلى المسلمين، والآلاف من جرحاهم، لا تزال أروقة المجمعات الطبية مليئة بالمصابين، والأشلاء الممزقة تملأ الطرقات، وبعض الجثث بين الأنقاض قصفت مرتين، فلم يكفي اليهود أن يقصفوها مرة، وهذه الأجساد للأطفال المبعثرة، والرؤوس المقطعة، وأجساد بلا رؤوس، وثلاجات الموتى التي عجزت عن استيعاب أعداد القتلى، قتل اليهود الذي لم يوفر طواقم الإسعاف، ولا سياراته.
وجثث متفحمة، وأناس يبحثون عن أقاربهم بين الركام، وآخرون لم يتعرفوا على هوية تلك الجثث، ومساجد تسوى بالأرض، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ} (114) سورة البقرة، وصارت القضية رعبًا على الأطفال بالليل، يختبئون في خزائن الملابس وتحت الأسرة ظنًا منهم أنها تقيهم من صواريخ طائرات اليهود، لا يخرج الناس في غزة إلا لأمرين: بحثًا عن