ـ ولا يكونن العيش مع النصوص القرآنية بمعزل عن الواقع، فلا يقف فهم النص على بيئة بني إسرائيل التي خرجوا منها وفروا من فرعون وجنده، ولا على مصر فرعون أو فرعون مصر، ولا على صحراء سيناء..؛ وإنما النص القرآني يهيمن على كل بيئة مشابهة، وحال مقارب، وظرف مماثل، ونفس أمّارة بالسوء، محبة للدعة والراحة، غير سالمة من آفات البيئة القديمة، وما فيها من معان سلبية بالية، ولو على مستوى النظر والاعتبار، وإذا كان الله سبحانه قد أنزل على بني إسرائيل المنّ والسلوى إذ هم في الصحراء،
فإن صحراء القلوب لتحتاج إلى مِنة من الله تعالى أن ينزل عليها اليقين، والصبر، والثبات، والصدق في جميع الأمر، فيغتنم المؤمن أوقاتًا كانت لإعداد غيره، علّه يناله منها بعض إعداد.. وهو فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم. ((
-وأنها الأيام التي أكمل الله الدين لمحمد عليه الصلاة والسلام، وذلك في قوله تعالى:"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا..".
وهي أكبر النعم، وقعت يوم عرفة من هذه الأيام المباركة، نعمة إكمال الدين، فلا يحتاج زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا، وإنما مدار الأمر على مدى تمسك المسلم بهذا الدين، وإن تبدلت به الأحوال وتغيرت عليه الأوطان.
ـ ذكر ابن كثير في تفسيره: لَمَّا نَزَلَتْ"الْيَوْم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ"، وَذَلِكَ يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر بَكَى عُمَر فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا يُبْكِيك؟ قَالَ: أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَة مِنْ دِيننَا فَأَمَّا إِذَا أُكْمِلَ فَإِنَّهُ لَمْ يُكْمَل شَيْء إِلَّا نَقَصَ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقْت.