قال تعالى: { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) [القصص/57-59] }
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَمَّا اعتَذَرَ بهِ بَعْضُ المُشْرِكِينَ إِلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ سَببِ عَدَمِ إيمانِهِمْ بِرِسَالَتِهِ ، وَكَانَ مِنْ هؤلاء المُعتَذِرِينَ الحَارِثُ بِنُ عُثْمَانَ بْنِ نَوْفَل بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ فَقَدْ جَاءَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَقَالَ لَهُ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَلى الحقِّ ، ولكِنَّنا نَخَافُ إِنْ اتَّبْنَاكَ ، وَخَالَفْنا العَرَبَ ، أَنْ يُخرِجُونامِنْ أَرضِنا ، ويَغْلِبُونا عَلَى سُلْطَانِنا ونَحنُ قِلَّةٌ . وَيَردُّ الله تَعالى عَلَى هؤلاءِ بقَولِهِ: إِنّ الذِي اعْتَذَرُوا بِهِ بَاطِلٌ ، لأنَّ اللهَ جَعَلُهُمْ في بَلَدٍ آمِن ، وَحَرمٍ مُعَظَّمٍ آمِنٍ مُنْذُ وُضِعَ . فَكَيفَ يَكُونَ هذا الحَرَمُ آمِنًا لَهُمْ وَهُمْ كُفّارٌ ، مُشْرِكُونَ ، وَلا يَكُونُ آمنا لهُمْ إِذا أَسْلَمُوا واتَّبَعُوا الحَقَّ؟ ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى: إِنَّهُ يَسَّرَ وصُُولَ الثَّمَرَاتِ والأَمتِعَةِ والأَرْزَاقِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ إِلى أهلِ الحَرَمِ ، وهذا كُلُّهُ بِفَضْلِ اللهِ ، وَمنْ عِنَايَتِهِ ، ولكِنَّ أَكثَرَ هؤلاءِ جَهَلَةٌ لاَ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِ خَيرُهُم وَسَعَادَتُهُمْ ، وَلِذَلِكَ قَالُوا مَا قَالُوا .
يُعَرِّضُ الله تَعَالى بأهلِ مَكَّةَ ، وَيُنَبِّهُهُمْ إِلى أَنَّهُ قَدْ سَبَق لَهُ أَنْ أَهلَكَ كَثيرًا مِنَ المُدُنِ والقُرى ، التي طَغَتْ وأَشِرَتْ وكَفَرَت بِنِعْمَةِ اللهِ ، فيما أَنْعَمَ بهِ عَلَيها ، فَدَمَّرَهَا تَدمِيرًا ، وَلَم يَتْرُكْ أَحَدًا مِنْ أهلِها حيًا ، وَلَم يَعُدْ يُرى فِيها إِلاّ المَسَاكِنُ الخَرَابُ المَهْجُورَةُ ، لَمْ يَسْكُنها أَحدٌ بَعدَهُمْ ، إِلاَّ عَابرُو السَّبيلِ لفَتَراتٍ قَصِيرةٍ ، وَهُمْ مَارُّون مُجْتَازُونَ بِها ، وَآلتْ وِرَاثُتها إِلى اللهِ ، لأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهلِهَا أَحَدٌ يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ وَرَاثَتَها
وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عَنْ عَدْلِهِ فَيقُولُ: إِنَّهُ لاَ يُهْلِكُ أَحَدًا وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ ، وَإِنَّما يُهِلكُهُ بعدَ أَنْ تَقُومَ عَليهِ الحُجَّةُ . وإِنَّهُ لاَ يُهلِكُ القُرى حَوْلَ مَكَّةَ بِكُفْرِهِم وَظُلْمِهِم إِلاَّ بَعْدَ أَن يَبْعَثَ فِي أُمِّ القُرَى ( مَكَّةَ ) رَسُولًا يدْعُوهُم إِلى اللهِ ، وَيُبِيِّنُ لهُم سَبيلَ الهدَايَةِ والرَّشَادِ ، وَيتلُو عَلَيهمْ آياتِ اللهِ ، وإِنَّهُ لا يُهلِكُ هذهِ القُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظَالِمُونَ ، قَدْ كَذَّبُوا النَّبِيَّ ، وَرَفَضُوا اتِّباعَهُ ، وقَبُولَ دَعْوَتِهِ .
( وَفُهِمَ مِنْ هذِهِ الآيةِ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إِلى النَّاسِ كَافَّة ، وَلَيسَ لأَهلِ مَكَّةَ خَاصَّةً ) .
فهم لا ينكرون أنه الهدى ، ولكنهم يخافون أن يتخطفهم الناس . وهم ينسون الله ، وينسون أنه وحده الحافظ ، وأنه وحده الحامي؛ وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطفهم وهم في حمى الله؛ وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم الله . ذلك أن الإيمان لم يخالط قلوبهم ، ولو خالطهم لتبدلت نظرتهم للقوى ، ولاختلف تقديرهم للأمور ، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله ، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هداه . وأن هذا الهدى موصول بالقوة موصول بالعزة؛ وأن هذا ليس وهمًا وليس قولًا يقال لطمأنة القلوب . إنما هو حقيقة عميقة منشؤها أن اتباع هدى الله معناه الاصطلاح مع ناموس الكون وقواه ، والاستعانة بها وتسخيرها في الحياة . فالله خالق هذا الكون ومدبره وفق الناموس الذي ارتضاه له . والذي يتبع هدى الله يستمد مما في هذا الكون من قوى غير محدودة ، ويأوي إلى ركن شديد ، في واقع الحياة .
إن هدى الله منهج حياة صحيحة . حياة واقعة في هذه الأرض . وحين يتحقق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضية إلى جانب السعادة الأخروية . وميزته أنه لا انفصال فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخرة؛ ولا يقتضي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليحقق أهداف الحياة الآخرة . إنما هو يربطهما معًا برباط واحد: صلاح القلب وصلاح المجتمع وصلاح الحياة في هذه الأرض . ومن ثم يكون الطريق إلى الآخرة . فالدنيا مزرعة الآخرة ، وعمارة جنة هذه الأرض وسيادتها وسيلة إلى عمارة جنة الآخرة والخلود فيها . بشرط اتباع هدى الله . والتوجه إليه بالعمل والتطلع إلى رضاه .
وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف؛ بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة . أمانة الخلافة في الأرض تصريف الحياة .
وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله والسير على هداه . يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم ، ويشفقون من تألب الخصوم عليهم ، ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية! وإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } . فلما اتبعت هدى الله سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان .
فمن الذي وهبهم الأمن؟ ومن الذي جعل لهم البيت الحرام؟ ومن الذي جعل القلوب تهوي إليهم تحمل من ثمرات الأرض جميعًا؟ تتجمع في الحرم من كل أرض ، وقد تفرقت في مواطنها ومواسمها الكثيرة:
{ أو لم نمكن لهم حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنا؟ } . .فما بالهم يخافون أن يتخطفهم الناس لو اتبعوا هدى الله ، والله هو الذي مكن لهم هذا الحرم الآمن منذ أيام أبيهم إبراهيم؟ أفمن أمنهم وهم عصاة ، يدع الناس يتخطفونهم وهم تقاة؟!
{ ولكن أكثرهم لا يعلمون } . .لا يعلمون أين يكون الأمن وأين تكون المخافة . ولا يعلمون أن مرد الأمر كله لله .فأما إن أرادوا أن يتقوا المهالك حقًا ، وأن يأمنوا التخطف حقًا ، فها هي ذي علة الهلاك فليتقوها: { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلًا ، وكنا نحن الوارثين } . .إن بطر النعمة ، وعدم الشكر عليها ، هو سبب هلاك القرى . وقد أوتوا من نعمة الله ذلك الحرم الآمن؛ فليحذروا إذن أن يبطروا ، وألا يشكروا ، فيحل بهم الهلاك كما حل بالقرى التي يرونها ويعرفونها ، ويرون مساكن أهلها الداثرين خاوية خالية . . { لم تسكن من بعدهم إلا قليلًا } . وبقيت شاخصة تحدث عن مصارع أهلها . وتروي قصة البطر بالنعمة؛ وقد فني أهلها فلم يعقبوا أحدًا ، ولم يرثها بعدهم أحد { وكنا نحن الوارثين } .على أن الله لم يهلك تلك القرى المتبطرة إلا وقد أرسل في أمها رسولًا . فتلك هي سنته التي كتبها على نفسه رحمة بعباده: { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا يتلو عليهم آياتنا ، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } . .وحكمة إرسال الرسول في أم القرى أي كبراها أو عاصمتها أن تكون مركزًا تبلغ منه الرسالة إلى الأطراف فلا تبقى حجة ولا عذر فيها لأحد . وقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة أم القرى العربية . فهو ينذرهم عاقبة المكذبين قبلهم بعد ما جاءهم النذير . { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } . . يكذبون بالآيات عن معرفة وعن يقين!
ــــــــــــــــــــ