عمروا وشادوا ما تراه من المنازل والقصور
وتحولوا من بعد سكناها إلى سكنى القبور (1)
فواعجبا .. وليس ينتهي العجب ...!!
من إقبالنا نحوها , وتنافسنا عليها , بالرغم من مكرها بنا وتغريرها لنا !! مع أنه زهدنا
فيها من خلقها وسواها , فكيف ترغب بها قلوبنا ؟!
وحذرنا منها من هو أعلم منا بها , فكيف نأمن جانبها ونركن لها ونسلم قلوبنا إليها ؟!
وبين لنا ربنا بجلاء ليس فيه خفاء معايبها ومثالبها , فكيف تعمى أبصارنا عن مساويها وننسى دواهيها ؟!
تنبهوا يارقود إلى متى ذا الجمود ؟
فهذه الدار جمع يفني , ومال يبيد
الخير فيها قليل والشر فيها عتيد
والعمر ينقص فيها وسيئاتي تزيد
فاستكثروا الزاد فيها إن الطريق بعيد (2)
ولست لفرط تحذيري منها وتزهيدي لك فيها , أحرم عليك حلالها وأمنعك من المشي في مناكبها .
أمنية أهل الآخرة
أخي الحبيب:
الدنيا أمنية أهل الآخرة جميعا . فكل يرجو الرجوع إليها , لا ليستزيد من متاعها ويستكثر من زخارفها وحطامها , وإنما ليصحح الملة ويتوب من زلة ويتنافس في الخير كله .
أرأيت أهل الجنة في نعيمهم المقيم , وخيرهم العميم ,فيما لاعين رأت , ولاأذن سمعت , ولا خطر على قلب بشر في النعيم الذي لا يكدره سخط , والراحة التي لايشوبها عناء , والسعادة التي لا يخالطها شقاء , فيما تشتهيه النفس , وتلذ الأعين , وهم ـــ على الرغم من ذلك ـــ يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا فيعملونا بالصالحات ليرتفعوا في المنازل والدرجات , قال صلى الله عليه وسلم:"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكواكب الدري الغابر في الفق من المشرق أو المغرب , لتفاضل ما بينهم" (3) .
(1) أسامة بن منقذ .
(2) عبدالرحمن البرعي .
(3) مختصر صحيح مسلم (1961 ) عن أبي سعيد الخدري .