وفي السنة الثانية بعثت جمعا من عبيدي وغلمانا من غلماني إلى تلك الجزيرة فأهلكوا ما فيها من مهلكات وأفنوا ما يكتنفها من افات وأزالوا ما فيها من هوام وحشرات ..
وفي السنة الثالثة أرسلت حشدا من عبيدي وغلمانا من غلماني فأعدوا لي فيها القصور والدور ..
وفي السنة الرابعة وجهت فرقة من عبيدي وغلمانا من غلماني فأعدوا لي فيها المطايب والمشارب والمركب ..
وها أنا أنتقل في السنة الخامسة لا كمن سبقني .. ينتقلون من العمار إلى الخراب .. أنا أنتقل من العمار ... إلى العمار ..!! (1)
هذا مثلي ومثلك ـــ أيها الحبيب ـــ في هذه الحياة الدنيا ..
ولدتك أمك يا بن ادم باكيا
والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا
في يوم موتك ضاحكا مسرورا
عقبات كؤود
أخي الحبيب:
نعيش أياما قلائل .. لحظات معدودات .. ثم لابد لنا من الرجوع إلى الله والوقوف بين يديه { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } (2)
فنحن نهدم في أعمارنا ــ على قصرها ــ منذ استهل أحدنا صارخا من بطن أمه , وندنوا لحظة بعد ونفسا بعد نفس من صندوق العمل { إن إليناإيابهم ثم إن علينا حسابهم } (3)
يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: يا ابن ادم إنما أنت أيام فإذا ذهب يومك ذهب بعضك .
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي
( وفي رواية بمنكبي ) فقال:"يا عبدالله ! كن في الدنيا كأنك غريب , أو كأنك عابر سبيل , وعد نفسك من أهل القبور". (4)
(1) فإن كان هذا حال الأمير مع علوا مكانته وسمو منزلته ما أغنى عنه ماله وهلك عنه سلطانه فما بالك بمن هو دونه؟ والعبرة بطيب العمل والبعد عن الخطأ والزلل والزاد الذي يحتمل !!
(2) سورة الأنعام آية ( 62 )
(3) سورة الغاشية آية ( 26 )
(4) صحيح سنن ابن ماجه للألباني رقم ( 3322 ) ( 2/ 395 ) بسند صحيح