ومر بهم رجل عليه سيماء الخير وملامح الصلاح , فد دل مظهره على مخبره . فعرضوا عليه أمرهم وأخبروه بحالهم , فقال: أنا لها بإذن الله ..!!
فتولى الولاية عليهم خمس سنوات ما رأى الناس مثلها ولا عاشوا كصفوها في خيرها
وعدلها ..
إذا شئت أن تقتاس أمر قبيلة
وأحلامها فانظر إلى من يقودها (1)
وانتهت هذه السنوات كعقد انحل وثاقه فانفرطت حباته , وأزف التحويل .. فلم يبق سوى الرحيل ..!!
وجاء اليوم الموعود .. بكل الامه وأحزانه كعاصفة هوجاء قطعت كل أمل ورجاء في الخلود والبقاء ..
وأتت اللحظة الحاسمة لتشعل في القلب أحزان الفراق وتطوي صحائف اللقيا ونعيم التلاق ..
ودنت ساعة الصفر .. التي تتغير فيها الموازين .. وتنخلع من هولها القلوب .. وتذرف من حرقتها العيون , وينعصر من رهبتها الوجدان ..
وجيىء بهذا الأمير ليركب القارب الذي سينقله إلى جزيرة المهالك , ليواجه الأهوال وحده , ويقارع الخطوب بفرده , حيث لا معين ولا جليس ولا مغيث ولا أنيس .
طريق سلكه من قبل وسيعبره من بعده , فكم سار مثل هذا القارب بمثله من قبل .!!
وبينما كان الناس اسفين محزونين .. دموعهم تهراق حزنا على فراقه , وقلوبهم تتقطع ألما لفقده وبعاده , إذا به في بهجة وسرور وفرحة وحبور ..!!
فقالوا ـــ والعجب يأخذهم منهم كل مأخذ ـــ: عجبنا منك ومن حالك ..!!
نحن قلوبنا ألم بها الألم , ومسها السقم , وأمضها المرض , حزنا عليك وحبا فيك وألما
لفراقك ..
وانت في سعادة غامرة وفرحة ظاهرة ..!!
فما الذي دهاك ؟! وأي خطب اعتراك ؟!
قال: اسمعوا مني الخبر .. وافهموا مني الحكاية ..
أما إني علمت أني راحل عن هذه الجزيرة مفارق لها ومسافر عنها , مهما طال بي فيها المقام فأعددت العدة لهذا الرحيل وجهزت الزاد لهذا السفر الطويل ..!
في السنة الأولى أرسلت جزءا من عبيدي وغلمانا من غلماني إلى تلك الجزيرة فقتلوا
ما فيها من سباع وضباع ..
(1) عمر بن الحارث الطائي .