فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 96

ومع تعاقب الدهور ، وكَرِّ الأيام والشهور ؛ فإن ثمت نابتة خبيثة ، وخبيئة تدعي لنفسها علمًا وهي منه براء ، وتتبوأ من الجهل دركات لتبوء بوبيل من الطوام ، حين تزل أقدامهم والأفهام ، فتضل من تعديهم العوام والطغام .

فكم رأينا نِزالًا في حلائب العلم، من رائمٍ للبروز قبل أن ينضج، فرَاشَ قبل أن يَبْري ، وتزبَّب قبل أن يتحصرم، وقد قيل: البداية مزلة، وقيل: من البلية تشيخ الصحيفة، ويؤثر عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قوله: العلم نقطة كثرها الجاهلون . وبمعناها قولهم: ( لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف ) [1] وما يراد بها هنا إلا المتعالمون الذين ناموا عن العلم فما استيقظوا، وبالغوا قبل أن يبلغوا، فركبوا مطايا الخير للشر، والذين عناهم الإمام الشافعى - رحمه الله تعالى بقوله: ( وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السلامة له إن شاء الله ) [2] . وشكى حالهم الحافظ ابن القيم - رحمه الله تعالى - فقال [3] :

هذا وإنى بعد ممتحن بأر* بعة وكلهم ذوو أضغان

فظ، غليظ، جاهل متمعلم *ضخم العمامة واسع الأردان

متفيهق، متضلع بالجهل، ذو ضلع*، وذو جلح من العرفان

مزجى البضاعة في العلوم وإنه *زاج من الإيهام والهذيان

من جاهل متطبِّب يفتي الورى *ويحيل ذاك على قضا الرحمن

ما عنده علم سوى التكفير والتبـ*ديع والتضليل والبهتان

وحفيده بالتلمذة , الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى يقول: ( إذا تكلم المرء في غير فنه, أتى بهذه العجائب) [4] .

ولما قيل لسفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى, فيمن حدث قبل أن يتأهل, قال:

(1) 1 ) ساقها ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2 / 207 ) .

( 2) الرسالة - ( ص 41 )

(3) القصيدة النونية - (2 / 100)

(4) - فتح الباري لابن حجر - (ج 5 / ص 446)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت