الصفحة 1 من 25

بقلم الشيخ؛ محمد بُوالنِّيت المراكشي

الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم والصلاة والسلام على من صلى الله عليه وسلم، وبعد:

فإن المؤمنين بالله واليوم الآخر صنفان: أَهْلُ يَقِينٍ، قد خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، بِمَا عَرَفُوهُ من دلائل الحق، وعلموه من بَيِّنَاتِ الدين، وثقفوه من حِكَمِ الشَّرع، وشاهدوه من آياتِ الكون، وذاقوه من حلاوة الإيمان، وشهدوه من عقبى الطاعة وغب المعصية؛ وَأَهْلُ إِسْلاَمٍ، قد اختلطت في قلوبهم مادة إيمان ومادة نفاق، لم يُدْرِكُوا من العلم الصحيح ما تطمئن به قلوبهم، ولم يُحَصِّلُوا من العَمَلِ الصَّالِحِ ما به يثبت إيمانهم.

فأما الصِّنف الأول، فإن الثَّبَاتَ على الحق شيمتهم، واليقين بالله خَاصَّتُهُمْ، لا تزلزلهم الأحداث، ولا تجرفهم الفتن، بل هم على الإيمان باقون، وَبِوَعْدِ الله موقنون، وعلى دين الله تعالى مصطبرون، لا يبتغون العزة في غير الإسلام، ولا يشعرون بالذلة وَالصَّغَارِ في حال الاستضعاف، فَهُمْ كما قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُون} .

وأما الصنف الثاني، فإيمانهم رهين بالحال، لا يثبت أمام المحن العاصفة، ولا يَصْمُدُ أمام الفتن الجارفة، إن رجحت كفة المسلمين توطد يقينهم وقوي إيمانهم، وإن مالت كفة الكافرين كثرت شكوكهم وتزلزل اعتقادهم، فهم كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِين} ، وكما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ، وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ، أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِين} ، بل منهم من يَبْلُغُ به الحال إلى أن يقول كما ذكر الله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورا} .

وهذه الفتن العظيمة التي لحقت بالأمة، والمصائب الكبيرة التي نزلت على أَهْلِ هذه الملة، قد ألحقت الهزيمة بنفوس كثيرٍ من المسلمين، وزرعت الريب في أفئدة جُمُوعٍ من أبناء هذا الدين، إذ استعظموا قوة الأعداء، ويئسوا من الظهور عليهم، واستبطؤوا نصرة الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت