الصفحة 2 من 25

ولَوْ فَقِهَ هؤلاء، لَعَلِمُوا أن الدنيا دار ابتلاء، وأنها أهون عند الله تعالى من جناح بعوضة، ولو كانت تساوي ذاك الجناح ما سقى منها كافرا شربة ماء، كما أخبر بذلك خاتم الأنبياء، ولكن الله تعالى يَبْتَلِي عباده بالسَّراء والضراء، ويبلوهم بالخير والشرِّ فِتْنَةً، ويستدرج الكافرين من حيث لا يعلمون، وهو سبحانه القائل: {وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفًا، وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحيَاةِ الدُّنْيَا، وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِين} ؛ ولو لم يأت في بَيَانِ هذا الأمر شرع منزل، لكان حَرِيًّا بالعقل الصريح أن يعرف اتضاع الدنيا وهوانها، إِذْ كيف يُفْرَحُ بسؤدد مهما طال يزول؟! أو بغنى لا يدوم؟ وأي قيمة لنصر يعقبه موت المنتصر والمهزوم؟ وأي اعتبار لِمُلْكٍ يتلوه زوال المالك والمملوك؟ وأي شأن لقوة يردفها قَبْرُ القوي والضعيف؟!

وهذه الأمور لو تأملها الإنسان بعقل ناصح لظهرت له حقيقتها، ولهذا جاء الوحي من الله تعالى يكشف للمؤمنين حقيقة الصراع في هذه الحياة الدنيا، وَيَدُلُّهُمْ على أن الثبات على دين الله تعالى والاعتصام بحبله أعظم عند الله تعالى من شأن النصر الدنيوي الظاهر، بل يجعل هذا النصر نفسه ثمرة من ثمار الأخذ بمقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر، الذي يعني النهوض بأسباب صلاح الإرادة وكمال القدرة الموجبين لتنفيذ الأمر الإلهي المتعلق بالدنيا والآخرة.

فإذا تبين هذا، عُلِمَ حينئذ لماذا أمر الله تعالى عباده ألا يغتروا بقوة الكافرين وظهورهم في الدنيا، ولماذا يُعَلِّقُ الله تعالى قلوب أهل الإيمان بالآخرة، وَيُعْلِمُهُمْ أن المصير فيها هو الفَيْصَلُ في الفوز أو الخسران، كما قال تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَاد} .

بل أراد الحق سبحانه وتعالى أن يُعَلِّمَ عباده أن تعجيل انتقامه من العاتين عن أمره، المعتدين على أوليائه، ليس حَتْمًا لاَزِمًا، فإنما الدنيا دار ابتلاء واستدراج، وقد يكون فيها نوع عقاب وانتقام مما يظهر أو يخفى، فيلزم المؤمن ألا يَمُنُّ على الله بإيمانه، فيستحسر لعدم الأخذ على أيدي الكافرين والمعتدين، وألا ييأس من رحمة رب العالمين، وألا يظن بالله تعالى الغفلة عن المحاربين لدينه، الباغين على أوليائه، فإن الله تعالى لا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ النَّاسِ، كما أخبر بذلك رسوله الكريم، وهو سبحانه قد أقام دون هذه الدنيا يوما آخر، يُؤَخِّرُ فيه تعالى العقوبة للظالمين، ويثأر لأوليائه المتقين، ويقيم فيه موازين القصاص والعدل بين العالمين، قال الله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت