مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَاتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ، أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ، وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ، وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ، وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ، فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ، وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، وَتَرَى المُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ، سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ، لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ، هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبَاب.
هذا أَصْلٌ عظيم من أصول دين الله تعالى، وقاعدةٌ جليلة من قواعد الفهم عن الله تعالى، إذا لم يتدبرها المؤمن خِيفَ عليه من سوء الظن بالله تعالى، والشَّكِّ في وعوده تعالى، فَإِنْ تَدَبَّرَهَا، وَعَلِمَ ما تضمنته من قيام أمر الدنيا على الابتلاء والتمحيص، وقيام أمر الدين على الصبر واليقين، وقاه الله تعالى بفضله آثار البلايا، وأعاذه من الفتن ومزالق الأهواء والمحن.
وإن أهل الإيمان اليوم أشد حاجة إلى تدبر هذا الأصل النافع، فإن ما أصاب الأمة من بلاء شديدٍ، وفتنة عامة مَاحِقَةٍ، لا نجاة منها إلا بالاعتصام بأمر الله تعالى، والثقة بوعوده سبحانه وتعالى.
لكن العرفان بهذا الأصل لا يعني من قريب أو بعيد إسلاس القياد للقدر على فهم أهل الجبر، فإن القدر للإيمان والشرع للعمل، القَدَرُ فعل الله تعالى، والشرع أمره تعالى، فإن فُهِمَ قَدَرُهُ تعالى على وجه شرعي صحيح، لَزِمَ مع ذلك العمل بشرعه على ما يناسب القدر بوجه سليم، ولا عمل بالشرع إلا بعد العلم به، ولا تعامل مع ما قُدِّرَ إلا بعد فهمه حق الفهم، ولذلك كان الاجتهاد في دين الله تعالى مشروطا بهذا وهذا، وبذلك جاء التحقيق عن أئمة العلم، إذ قالوا: (لاَ يَتَمَكَّنُ المفتي ولاَ الحاكمُ مِنَ الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفَهْمِ، أَحَدُهُمَا، فَهْمُ الواقعِ والفِقْهُ فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيطَ بِهِ عِلْمًا، والنَّوْعُ الثَّاني، فهم الواجب في الواقع، وهو فَهْمُ حُكْمِ الله الذي حَكَمَ به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يُطَبِّقُ أحدهما على الآخر) [1] .
(1) ابن القيم، أعلام الموقعين، 871.