الصفحة 18 من 25

ولهذا، فإن كل مُستقرئٍ لِمَا أنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار، يعلم أنه إما قد وقع وتحقق في سالف الزمان، وإما أن دلائل تحققه موجبة له بيقين وبرهان، ومن ذلك الوعود والمبشرات التي تدفع اليأس عن النفوس، وتعيد الأمل إليها، وترسخ فيها اليقين على نصرة الله تعالى لأهل دينه، وتؤكد بما لا يدع مجالا للريب أن المستقبل لهذا الدين. ولكن هذه المبشرات والوعود لا بد لأهل الإيمان أن يلحظوا بخصوصها ثلاثة أمور:

الأول: إنه لا ينبغي الاعتداد منها إلا بما كان صحيحًا حسبما توجبه قواعد العلم وأصول النقد الحديثي، فإن كثيرًا من الروايات التي يعتمدها البعض في هذا الزمان، ويبني عليها أحكامًا ومواقف، تكون ضعيفة أو موضوعة.

الثاني: إن تأويل أحاديث الفتن والمبشرات لا ينبغي أن يجري على سنن أهواء النفوس ومرامي العواطف، بل ينبغي أن يُلْتَزَمَ في ذلك بقواعد أهل العلم، فلا يُنَزَّل الحديث إلا على ما اسْتُيْقِنَ أنه مَنْزِله، إلا ما كان من الأحاديث الذي تتضمن معاني وَحِكَمًا لا تعلق لها بخصوص زمان أو مكان، وقد سمعنا إبان الحروب الصليبية الجديدة على دولة الإسلام في بلاد الأفغان وعلى المسلمين في العراق، من التأويلات البعيدة والتحليلات العجيبة ما يدل على تسرع أهلها وغفلتهم عن ضوابط أهل العلم.

الثالث: إن المبشرات والوعود النبوية تتضمن في غالبها أوامر لتحصيل أسبابها والسعي لإدراكها، فلا ينبغي أن تكون ذريعة لترك العمل للدين والتخلف عن نصرته، كما يفعل بعض الأدعياء الذين خلطوا الإرجاء بالجبر، فَعَطَّلُوا مدافعة الباطل والنهي عن المنكر، وفصلوا بين الدين والسياسة باسم"السَّلفية"زعموا! ولتكن للمسلم أسوة في الطائفة المنصورة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقاتل الدجال، مع علمها بأن لا سبيل لها إلى دفعه، وأن زوال أمره إنما يكون على يد عيسى، فلم يثنها ذلك عن النهوض بالأمر الشرعي، وعدم تعطيل الجهاد في سبيل الله، فقد روى الحاكم في مستدركه (4/ 497) عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُ آخِرُهُمْ الدَّجَّالَ) . ولهذا، فإن اجتهاد المسلم أولى له من ترقب الوعود عَلَّهَا تقع في زمنه أو لا، بل الواجب عليه أن يتشوف إلى المساهمة في تحقق الوعود الإلهية فيحضا بفضيلة التسبب في حصولها.

على أن الأمة اليوم في مسيس الحاجة إلى بث المبشرات في صفها، وترديد الوعود الإلهية بين أبنائها، دفعًا للإرجاف الذي يمارسه من حطمت الهزيمة نفسه، فصار إلى التخذيل والتثبيط، وإبطالًا لكيد العَلْمَانِيين الذين يريدون أن يطفئوا جذوة الإيمان في قلوب المسلمين، ويقنعوهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت