السلام ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحدًا بإسلام من أسلم منهم) [1] ، لكن هذا الاعتراض غير سديد، لأن الظاهر والله أعلم أن انغلاق باب التوبة خاص بالجيل الذي يشهد هذا الحدث العظيم، فيكون هذا الحدث بالنسبة لهم كمن صار الغيب عنده مشاهدة، فلا ينفعه بعد ذلك إيمان ولا توبة، أما من لم يشهد هذا التغيير، ممن سيأتي بعد، فإن إيمانه بإذن الله مقبول، وعمله الصالح مرفوع، كجهاد من سيجاهد مع المهدي أو قبله ضد الروم أو الدجال، أو من يجاهد مع عيسى عليه الصلاة والسلام ضد الدجال واليهود؛ ومما يشهد بصحة هذا التوجيه، ما أخرجه الإمام مسلم برقم (0492) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلاَّ قَبَضَتْهُ، فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلاَمِ السِّبَاعِ لاَ يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا) ، وذكر أن على هؤلاء تقوم الساعة. ومن تأمل هذا الحديث وغيره من الدلائل التي لا يتسع المجال لبسطها علم صحة التوجيه السابق، والله أعلم.
واجب المسلمين كي يكون المستقبل لهذا الدين:
إن مما دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول، أن طرق الاستنتاج العلمي الموصلة إلى بناء التصورات وتحصيل التصديقات، تنحصر في سبيلين عامين، هما الاستنباط والاستقراء، وأن هذين السبيلين إذا التزما على وجههما الصحيح أثمرا في بناء صحيح العلوم وسليم المعارف، مما يكون له الأثر الحسن في تقرير الأحكام وبناء المواقف، وإن من رحمة الله تعالى بالإنسان، أَنْ فَطَرَهُ على المبادئ التي يميز بها الصواب من الخطأ والصدق من الكذب، قبل أن تلقى إليه المعارف أو يلقن اللغات، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى الحجة بينه وبين خلقه من هذا الباب، فأمرهم أن يتدبروا كتابه فينظروا هل فيه شيء من التناقض الذي يعتري كل ما يستنتجه الإنسان من العلوم والمعارف، فقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرا} ، كما أمرهم أن ينظروا في ما جاءهم به من أخبار وأن يستقرؤوا صدقها ليتبين لهم أن الحق الذي جاء من عند الله لا يتطرق إليه كذب أو يحوم حوله شك بسلطان، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَق} .
(1) التذكرة (3962) .