الصفحة 5 من 25

وصالح العمل؛ والحق أن خبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأمة ستتبع سنن من قبلها، لم يجئ على وجه يُفْهَمُ منه خصوص، بل جاء لفظ"السُّنَنِ"دالا على أن الأمة في عمومها ستقتفي آثار اليهود والنصارى، وستحصد ما حصدوا، إلا الذين استثناهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الطائفة الظاهرة على الحق، الصابرة على لأوائه، المصطبرة على مدافعة أعدائه، التي لم يصب فهمها لدين الله تعالى دخل، ولم يتطرق إلى عملها بدين الله تعالى دخن؛ أما ما كان من عموم أمة الإسلام فإن إتباعها للسنن عام، لم يستثنه النص، ولم يخالفه الواقع.

ولو أراد المرء أن يستقصي المزالق التي دل الشرع على أن الأمة سترتكس فيها، وما سيصيبها من فتن، لتبين له ما سلف؛ ولكن أمة الإسلام مرحومة، لا يصيبها هوان دائم، ولا يعتريها سُقْمٌ لازم، لأن أصل دينها محفوظ من التبديل، ولأن الله تعالى يبعث لها على الدوام من يجدد أمرها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بشر باستمرار من يجاهد الكائدين لها، ولأن وعود الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لها قد تتالت باستئناف رسالتها، وارتجاع سيادتها، وظهورها على أعدائها؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وإن المتأمل لحال المسلمين اليوم، ليرى دلائل صدق خبر النبي صلى الله عليه وسلم جلية، فقد أصاب الأمة في عمومها ما أصاب من قبلها، فَحَلَّ محل العز الذل، ومحل النصر الهزيمة، ومحل العلم الجهل، ومحل السيادة الاستعباد، ومحل انتشار الطاعات فشو المعاصي، ومحل الشرع الأغر قوانين الظلم والطغيان، ومحل المعروف المنكر، وَعُظِّمَ فيها الجهال والعَلْمَانِيون، واحتقر فيها الدعاة والمصلحون، وحمي فيها من يطعن في الدين ويسب الإسلام، وَنُكِّلَ فيها بكل آمر بالمعروف ناه عن المنكر، وَنَبَذَ الناس كتاب الله وراءهم ظهريا، وحرفوا فهمه إذ لم يُمْكِنْهُمْ تحريف نصه، وعطلوا معالمه إذ لم يمكنهم تعطيل رسومه، فتكالبت الأمم على أمة الإسلام من كل جانب، وسلط الله تعالى عليها عدوه وعدوها، فأعمل فيها القتل والتنكيل والاحتلال، وأذاقها صنوف الذل والهوان، ونهب خيراتها وطاقاتها بنفسه أو بتوسط الأعوان، ولحقها من الفرقة وذهاب الريح وضياع الجاه ما لم يلحق أهل ملة في هذا الزمان، وَفُتِنَ عن الدين الأفراد والفئام، فصدق وعيد النبي صلى الله عليه وسلم بحقها، إذ حل بها ما حل بسابقيها، {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} .

ولا يظنن ظان أن أمة الإسلام إن تركت العمل بدين الله تعالى - كما هو حاصل اليوم - أنها أكرم على الله تعالى ممن قبلها، حتى لا يصيبها مثل ما أصاب أولئك، فقد قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه} ؛ فَلَئِنْ سلط الله على السَّابقين القتل والسبي والخراب، فقد سَلَّطَ على أمة الإسلام ذلك، وأمثاله، من ظهور الأعداء، واستئثارهم بخيراتها وثرواتها، واحتلال بلدانها، وقتل كثير من أبنائها، والتنكيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت