الصفحة 6 من 25

بِخِيَّارِهَا، والتمكين للعَلْمَانِيِّينَ فيها، ومن لم يُستعمر منها بقوة العسكر والسلاح استعمر بالعمالة ودعوى الانفتاح، ومن لم يستعبد بالحرب والحصار، استعبد بالعَلْمَانِية والتغريب؛ وغير هذا مما لا يخفى إلا على كل غر غبي، ولا يستهين به إلا كل متخاذل مرجئي.

وما زال أعداء الأمة في الداخل والخارج يعيثون فيها فسادا، ويدمرون ما فيها من شيم وأخلاق، ويسطون على ما بها من ثروات وخيرات، حتى صار أمرها شبيها بأمر بني إسرائيل، حين أصابهم عذاب الله تعالى، لَمَّا بدلوا دين الله وطمسوا معالمه، وانحرفوا عن هدي أنبيائه، فسلط الله عليهم من أذاقهم العذاب، كما سلط اليوم على المسلمين مثل ذلك.

فلينظر كل عاقل في هذا، وليعتبر بقياس الأحوال، ولينهض بما يستوجب براءة الذمة، والإعذار إلى الله تعالى قبل فوات الأوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال الإمام ابن جرير الطبري: حدثنا عصام بن رواد بن الجراح قال ثنا سفيان بن سعيد الثوري قال ثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش قال سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا اعْتَدَوْا وَعَلَوْا، وَقَتَلُوا الأَنْبِيَّاءَ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فَارِسَ بُخْتُنَصَّر، وَكَانَ اللَّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَ مِئَةِ سَنَةٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَهَا، وَقَتَلَ عَلَى دَمِ زَكَرِيَّا سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ سَبَى أَهْلَهَا وَبَنِي الأَنْبِيَّاءِ، وَسَلَبَ حُلِيَّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعِينَ أَلْفًا وَمِئَةَ أَلْفِ عَجَلَةٍ مِنْ حُلِيِّ، حَتَّى أَوْرَدَهُ بَابِلَ) [1] .

وقال الإمام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى: (قال إسحاق بن بِشْر: أنبأنا إدريس، عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى لَمَّا بَعَثَ أرميا إلى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الأحداث فيهم، فعملوا بالمعاصي، وقتلوا الأنبياء، طمع بختنصر فيهم، وقذف الله في قلبه وحدث نفسه بالمسير إليهم، لما أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى أرميا:"إِنِّي مُهلك بني إسرائيل، ومنتقم منهم، فَقُمْ على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي ... انطلق إلى قومك، فقم فيهم، وقل لهم: إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم ... إن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهَلَكَة، وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها."

أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولًا يتعبدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي، حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وسنتي، وغروهم مني، فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي.

(1) جامع البيان عن تأويل أي القرآن (2915) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت