الصفحة 111 من 130

ولعل أغرب ما يروى في أعقاب هذه الهزائم أن المسئولين عنها قالوا في تغاضب: ماذا حدث؟ إن خسارة الأرض والناس والسمعة والمكانة لا تعنى شيئا! لقد كان المطلوب الذهاب بنا نحن وبأنظمتنا التقدمية، وذلك ما لم يتم، لقد بقينا وهذا وحده نصر! الحق أن تاريخ الصفاقة لم يشهد مثل هذه الوجوه، ولن يشهد أبدا.! وقال كل من له لب: إن بنى إسرائيل يدفعون مليار دولار لكى تبقى هذه التقدمية تحكم العرب، وتعين عليهم، وتبعث على الضحك منهم.. وغاص المسلمون داخل أنفسهم يتميزون غيظآ، ويبكون أسفآ، وعلموا أنه لا عاصم لهم من الهلاك إلا الإسلام فجهروا بالحنين إليه وخاصموا التنكر له والخروج عليه، وقد كنت واحدا من عشرات الدعاة الذين انطلقوا في ضفاف قناة السويس وأطراف الصحراء الشرقية يتحدثون عن الإسلام بحرقة، ويحدثون الجنود بصراحة. كانت الآلام النفسية والبدنية تعصر الرجال الذين اتهموا بما هم منه براء، وحملوا أوزارا اقترفها غيرهم، وكانت وجوههم ترمق السماء بأمل، وتنتظر لقاء لابد منه مع اليهود الذين أسكرهم نصر صنعه لهم الخونة.. وجاء العاشر من رمضان 393اهـ وكلف الرجال بعبور القناة وتدمير خط"بارليف"الذى صنعته العبقرية العسكرية"الصهيونية- الصليبية"، لقد صدر الأمر في ظروف صالحة كل الصلاحية، فإن الإنسان المسلم ثابت إليه خصائصه الرفيعة من عمق في الإيمان، وصدق في التوكل، ورضا بالقدر، وترحيب بلقاء الله. كان الرجال الصائمون يستعدون ليكون إفطارهم في الجنة، وغلبت صيحات التكبير دوي المدافع، وتملك المقاتلين شعور بأنهم أبناء الصحابة الذين أدبوا الجبابرة، وقمعوا الباطل، فإذا الجبهة الطويلة تسيطر عليها روح وصلت خواتيم القرن الرابع عشر بأوائل القرن الهجري، وما هى إلا أيام حتى كانت الحصون المستبدة تنهار تحت عزمات الرجال، وتصبح أثرآ بعد عين، وما هى إلا أيام أخرى حتى كانت العساكر المشاة تمزق فرق المدرعات اليهودية الرابضة خلف الحصون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت