فهرس الكتاب
فإن قيل: قد عارض الشيخ الألبانى هذا الحديث بما رواه الإمام مالك فى (( الموطأ ) ) (3/150. تنوير الحوالك ) أنَّه بلغه: أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ: لا تُكْثِرُوا الْكَلامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللهِ ، وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ، وَلا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ ، وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ ، فَإِنَّمَا النَّاسُ مُبْتَلًى وَمُعَافًى ، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ ، وَاحْمَدُوا اللهَ عَلَى الْعَافِيَةِ .
وقال الشيخ ـ رحمه الله ـ: (( هذا هو اللائق بمثل هذا الكلام ؛ أن يكون مما يرويه أهل الكتاب عن عيسى عليه السلام ، وليس من حديث نبينا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ) )اهـ .
قلنا: أليس من مقال الشيخ الألبانى دائما معترضًا على مخالفيه: اثبت العرش أولًا ثم انقش !! ، فنحن كذلك نقولها: هل يصحُّ هذا البلاغ حتى يُعارضَ به هذا الحديث المسند الموصول ؟! . والجواب: إنه لا يصح بحالٍ ، وقد جزم الشيخ الألبانى نفسه بذلك ، فقد ذكره فى (( الضعيفة ) ) ( ح 908) وعقَّب عليه بقوله: (( لا أصل له مرفوعًا ) ).
ونزيدك إيضاحًاوتبصيرًا ، بذكر بعض طرق هذا البلاغ ، لبيان ضعفه ، والدلالة على أنَّه ليس حجةً معتمدةً لدى المحققين في نفى صحة حديث ابن عمر ، فكلُّها مراسيل ومعضلات:
[ الطريق الأولى ] أخرجها هناد بن السرى (( الزهد ) ) (2/542/1122) قال: حدثنا قبيصة عن سفيان قال: قال عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ، فتقسو قلوبكم ، وإن كانت لينة ، فإن القلب القاسي بعيد من الله ، ولكن لا تعلمون ، ولا تنظروا في ذنوب الناس كهيئة الأرباب ، وانظروا في ذنوبكم كهيئة العبيد ، الناس رجلان: مبتلى ومعافى ، فارحموا أهل البلاء ، وسلوا الله العافية .