الصفحة 86 من 230

وأما قوله صلى الله عليه وسلم (( فمن نسى فليستقىء ) )، فمحمول على الاستحباب والندب ، فيستحب لمن شرب قائما أن يتقايأه لهذا الحديث الصحيح الصريح ، فان الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب . وأما قول القاضى عياض: لا خلاف بين أهل العلم أن من شرب ناسيا ليس عليه أن يتقايأه ، فأشار بذلك الى تضعيف الحديث ، فلا يلتفت الى إشارته ، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع كونها مستحبة . فان ادعى مدع منع الاستحباب ، فهو مجازف ، لا يلتفت إليه ، فمن أين له الإجماع على منع الاستحباب ؟ .

وكيف تترك هذه السنة الصحيحة الصريحة بالتوهمات والدعاوى والترهات ؟ . ثم اعلم أنه تستحب الاستقاءة لمن شرب قائما ناسيا أو متعمدا ، وذكر الناسى في الحديث ليس المراد به أن القاصد يخالفه ، بل للتنبيه به على غيره بطريق الأولى ، لأنه اذا أمر به الناسى وهو غير مخاطب ، فالعامد المخاطب المكلف أولى ، وهذا واضح لاشك فيه )) اهـ .

وقد يقال: إن القول بأن النهى عن الشرب قائمًا محمول على كراهية التنزيه لا يساعد عليه الأمر بالاستقاء ، لأن في الاستقاء مشقة شديدة على المكلف ، ولا يعلم في الشريعة مثل هذا التكليف لمن تساهل بأمر مستحب ، وعليه ينبغى أن تحمل أحاديث النهى على التحريم ! .

قلنا: بل الذى ينبغى أن يصار إليه ، هو التوفيق بين الأحاديث كلها ، ما دل منها على جواز الشرب قائما ، وما نهى منها عنه ، ولا إشكال ولا تعارض بين الحكمين: الجواز والتنزيه ، وإنما التعارض حقًا في القول بتحريم الشرب قائمًا ، وترك العمل بأحاديث الجواز مع صحتها ، وعمل الجمع الكثير من الصحابة والتابعين بمقتضاها .

119: باب صفة طول القميص والكم والإزار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت