الصفحة 2 من 8

بسم الله الرحمن الرحيم

أعلن الشيخ المجاهد"أسامة بن لادن"بتاريخ 11 أيلول/سبتمبر 2001 الحرب ضد الإمبرياليّة الغربية التي تقودها الولايات المتّحدة الأمريكية، وكان إعلانًا عجيبًا من قبل جماعة صغيرة ونائية، مستخدمًا أسلوباَ مبهرًا في إعلانه من خلال أحداث الطائرات، ثم استغلال هاجس الرعب في قلوب الكفّار مستعينًا بأحدث التقنيّات والوسائل، مؤسّسًا نظريات جديدة في الحروب، لتحقيق أهداف نبيلة لا تعود فوائدها على جماعته إنما على أمّة كبيرة مؤمنة بالله وحده ..

هي حرب على غير ما تعارفت عليه الأمم السابقة من حيث الأسلوب والإمكانيّات والوسائل والأهداف والغايات، هي حربٌ، كما وصفها"كولن باول": (بين سلاح طيران ينتمي إلى العالم الأوّل وجيش ينتمي إلى العالم"الرابع"، بين قاذفات قنابل من طراز بي - 1 ورجال على الخيل) ، فأنّى لأولئك البسطاء تحمّل الحرب، فكيف بإعادة توازنهم، ثم توسّعهم وانتشارهم! إلا إن كانت هذه حربًا جديدة في مقاييسها.

في الحروب المعروفة - على سبيل المثال - يهاجم العدو خصمه في نقاط حسّاسة ومؤثّرة فيه سياسيًا واقتصاديًا ومعنويًا، إلا في الحرب ضد القاعدة، فلم تجد الولايات المتحدة هدفًا استراتيجيًا في حربها لتعلن عنه، ولم يكن ينطوي القصف المكثّف وتدمير القرى والمدن على خطورة ولن يؤدّي إلى شيء سوى"إعادة تسوية الرمال"، فوضعوا لهم هدفًا جمعوا له أكبر تحالف في التاريخ تمثّل في"اعتقال الشيخ أسامة بن لادن أو قتله"حفظه الله. وما لبث التحالف العالمي أن أعاد"تدوير"الهدف المُعلن إلى أهداف يتم تغييرها سنة بعد سنة!

لقد كانت الدول القويّة، كما يقول Wilhelm Grewe، دائمًا ما تقرر شكل النظام الدولي بما يخدم مصالحها، ففي القرن السادس عشر أعادت أسبانيا تعريف المفاهيم الأساسية للعدالة والشموليّة العالميّة، لتبرّر إبادة السكّان الأصليين في القارّة الأمريكيّة، ثمّ في القرن الثامن عشر طوّرت فرنسا المفهوم الحديث للحدود ومفهوم توازن القوى تمشيًّا مع سطوتها القاريّة، وفي القرن التاسع عشر استحدثت بريطانيا قواعد جديدة فيما يتعلّق بالقرصنة والحياد والاستعمار، وذلك تمشيًّا مع مصالح محدّدة لها بوصفها القوّة المهيمنة في ذلك الوقت. أما حال الولايات المتحدة الأمريكية اليوم فهو أعظم من سابقاتها، فلم يجرؤ أحد بعد أحداث أيلول/سبتمبر على تحدّي قوّتها وقراراتها أو مناقشتها أو حتى عدم تأييدها ومساعدتها! وأخذ القانون الدولي بالنسبة للولايات المتحدة والذي أقامته بنفسها - في فترة كانت محاجة لترسيخه - يفقد صلَته بشكل متزايد بالقانون الدولي الذي يعمل به ويفهمه الآخرون، ووضعت قواعد استثنائية جديدة لها وحدها، واصطف العالم كلّه معها مؤيّدًا ومواليًا لها في حرب تلك الثلّة المسلمة التي أعلنت"حرب المستضعفين"وتبتغي العدل والإنصاف والحريّة لأمتها ..

حرب جديدة قامت فيها مجموعة من الأفراد النبلاء الذين يقاتلون دفاعًا عن عقيدتهم المشرّفة والناصعة، بضعضعة أركان النظام الدولي الإمبريالي برمّته في عصر العولمة والأحادية الأمريكية التي زُعم أن في ظلّها سيكون من المرجّح أن تتضاءل نزعة الصراعات الدوليّة، لتسيطر الأحادية على الأمم والحضارات وتنهب خيراتها بهدوء ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت