فكانت ردّة فعل النظام الدولي الأحادي القطبية الاستجابة الكاملة للظّلم الموحّد ضد فئة صغيرة مُسلمة، ولم تستثنى دولة من دول العالم من الوقوف مع أمريكا وإعانتها، ووقفت المنظمات الدوليّة وأجهزة الاستخبارات الوطنيّة وأجهزتهم الماليّة والعسكرية والأمنية والإعلامية ضد القاعدة، حتى أنهم استخدموا"الأزهر المسيّس"و"هيئة علماء حكّام السعودية"كأبواق لهم في الحرب ضد المجاهدين، ومع كل ذلك انقلب السحر على الساحر، وكسب المجاهدون العقول والقلوب، وعلم أغلب الناس - وهم متيقّنون - الصورة الحقيقية لأمريكا الإمبريالية الشرّيرة، وثبتت صحّة نظرية القاعدة بأن أمريكا هي رأس كل الشّرور ..
واستخدمت الولايات المتحدة في هذه الحرب كلا الأسلوبين في آن واحد:"كسب العقول والقلوب"و"فتّش ودمّر". إنها حرب تدميريّة من نوع جديد في عصر الحريّات وحقوق الإنسان والقانون الدولي!
أقاموا في هذه الحرب انتخابات صوريّة في أفغانستان وثبت تزويرها للعالم، فأعادوها للعلّة ذاتها من دون محاسبة المزوّرين، وانسحب المنافس قبل إجراء جولة الإعادة وبقي الفائز الأول بالتزوير - الذي أثبتته الأمم المتّحدة - ومع ذلك تعترف دول العالم"المتحضّرة"بالرئيس"كرازاي"وتتعامل معه بكل صفاقة وشعوبها راضية عن هذا المنكر!
يتم احتلال الدول وتحطيمها وتدمير شعوبها، بمباركة الأمم المتحدة ودول العالم المتقدّمة ودول الجوار، لشبهة امتلاك أسلحة محرّمة - على المستضعفين - وتُقصَف الدول المستقلّة بالطائرات فيُقتل أبناؤها - بمباركة دول العالم والدول المقصوفة نفسها! - ويُعد إجرامهم في حق الشعوب المظلومة عملًا عظيمًا. ومن تريد أمريكا اعتقاله فلا يردّها أحد، ومن يريد إعتقال أحد جنودها فليس له ذلك!
ومع كل هذا الطغيان - وما ذكر جزء يسير منه - لم تحقّق أمريكا وحلفاؤها ما يمكن التفاخر به. والأمر الأكثر إعجابًا في هذه الحرب، هو أن تطأطئ الإمبراطوريّة الأمريكيّة رأسها أمام خصوم ضعفاء ما كان المرء يتوقّع لهم أن يكونوا خطرًا ذا بال. إنها حرب جديدة في تاريخ الأمم، استخدمت فيها أساليب جديدة وأهداف جديدة، وتجمّع دولي عالمي ظالم، يفقد قوّته وتوازنه يومًا بعد يوم، ضد فئة صغيرة تنتصر يومًا بعد يوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد ..
إن الجيوش الحديثة قد أصبحت أكثر تماسكًا في هذا العصر مما سبقه من عصور، بسبب سطوة قادتها وأصحاب الأقدام الغليظة المتحكّمين بالسياسات الوطنية، وتداخل مصالحهم مع المصالح الدوليّة وأصحاب النفوذ عبر القُطريّين. ولذلك أصبحت محاولات تمرّد الجيوش أكثر صعوبة إضافة لسبب ثانٍ مهم وهو التقدّم العلمي الذي يمكّن الأنظمة من اكتشاف المؤامرات بطرق أسرع، وقد فشلت محاولات المتمرّد في الكثير من الأحيان كما في جورجيا وبنجلادش وغيرها، وفي هذه الحرب الجديدة، فإن تمرّد الجيوش بحاجة إلى ثورة من نوع جديد، فليس ما كان يحصل في السابق من تمرّد يصلح لهذا العصر، وهروب حلفاء الولايات المتحدة وعدم بقائهم في ذلك الحلف، مع تراجع قوّتهم في مقابل قوّة المجاهدين، لم يكن لوحده تمرّدًا على الولايات المتحّدة، وطفوق الجنود والضباط الأمريكيّين في الجيش الأمريكي، وضجر السياسيّين من انهزامات جيشهم أمام أضعف الجيوش العالمية لا يعتبر تمرّدًا على الجيش وعلى الدولة، بل حتى ولو كانت أعداد المنتحرين فيه بالمئات، وحتى لو تمرّد أكبر قياداته كالجنرال"ماكريستال"