الصفحة 6 من 8

القصير حتى لو كان على حساب المصلحة العامة أو الأمن القومي، ولست مكترثًا بما ستحقّقه الإدارة الأمريكية من فوائد في"المدى القصير"، ولتذهب أمريكا إلى الجحيم، إنما الذي يهمّني هو تأثير هذا التمرّد في"المدى المتوسّط"و"المدى الطويل"على الولايات المتّحدة الأمريكية ونفوذها وتحكّمها في العالم، لأن هذا التأثر له علاقة مباشرة بما يخطط له المجاهدون وهذا هو مربط الفرس.

إن أكثر ما سيتأثر من تسريب هذه الوثائق هو"القوّة الناعمة"- أو المعنويّة -"Soft Power"للولايات المتحدة وهي أهم من"القوّة الصّلبة"- أو الخشنة -"Hard Power"خصوصًا في هذه الفترة من الضعف والتردّي التي أصيبت به، وقد وضع المتنفّذون والشركات عبر القطْرية المدعو"باراك أوباما"في منصب الرئيس ليعمل على تقويّة القوّة الناعمة للولايات المتحدة، فهم في أحوج ما تكون لها اليوم في ظل استمرار ضعف القوّة الصلبة المتمثّلة بالقوّة العسكريّة والاقتصادية وغيرها، والفرق بين القوّتين كما يصفها"جوزيف ناي": (القوّة الصلبة هي القدرة على جعل الآخرين يفعلون ما لا يريدون فعله باستخدام التهديد والوعيد ... والقوّة الناعمة، من جهة أخرى، هي القدرة على الحصول على النتائج المطلوبة لأن الآخرين يريدون ما أنت تريده. وهي القدرة على تحقيق الأهداف من خلال الجاذبيّة ... وتتمثّل في إقناع الآخرين باتباع الأعراف والمؤسّسات التي تنتج السلوك المرغوب أو جعلهم يوافقون عليه) .

كانت أمريكا تعمل على أن تكون النموذج الملهم لدول العالم وشعوبهم، وهذا أحد أهم أركان قوّتها الناعمة، لقد كانت الثّقة العالية بالنفس في يوم من الأيام قد جُسّدت من خلال عبارة"مادلين أولبرايت"عند حديثها عن الولايات المتحدة بقولها: " The indispensable nation " أي"الأمّة التي لا غنى عنها"! وفي خلال أقل من عشر سنين تبدّل الحال إلى الأمة"الطفيليّة"التي تقتات على جهد الآخرين وتكرهها شعوب العالم قاطبة!

ستؤدي فضائح النظام الأمريكي إلى ازدياد إمكانيّات المجتمع الأمريكي - على وجه الخصوص - ومجتمعات دول العالم لرؤية النواقص والعيوب التي أصابت السلطة الأمريكية، والعيوب التي ستصاب بها قريبًا، وهذا يؤدّي بمرور الوقت إلى تكوين وعي جماعي، والذي يمكن أن يظهر على شكل برنامج جديد لتنظيم وإدارة المجتمع، ولإقصاء تلك السلطة الشرّيرة،"فبئسًا للملك الذي يزدري من القانون، وبئسًا للشعب الذي قد يسكت عن ازدراء القانون"كما يقول"فولغين".

وحينما تعجر الولايات المتحدة عن تحقيق ما تعهّدت به أمام شعبها وشعوب العالم، أو حينما لا تستطيع تحقيق ما تعهّدت بتحقيقه إلا من خلال زيادة عظيمة في التكاليف وطرق الخداع وتقليص الحريّات المدنيّة، لا يتراجع عندئذٍ ذلك الدعم العام الذي تمتّعت به إلى ذلك الحين فحسب، بل يتراجع أيضًا بعد زمن ليس بالطويل تأييد مواطنيها أنفسهم للنظام المركزي الأمريكي ..

سيشعر المواطن الأمريكي بالإحباط وهو يرى الأنموذج الذي حلم به ظالم مخادع جبان فتّان ومنحط، وستكون ردّة فعله عنيفة في المديين المتوسّط والطويل ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت