وإذا أتينا على الأدلة من الكتاب، فيحسن أن نختم الكلام عليها بكلام لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية يتعلق بهذه الآيات. قال رحمه الله تعالى ( والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين، فقال ابن مسعود ومن وافقه: هو ما في الوجه واليدين، مثل الكحل والخاتم. قال: وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذي المحارم، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذي المحارم.
وقبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا حجاب، يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذا ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها، لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59] حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج النبي زينب بنت جحش فأرخى النبي الستر ومنع أنسا من أن ينظر [أخرجه البخاري، كتاب النكاح (8085) ] ، فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلالبيبهن. و"الجلباب"هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره"الرداء"وتسميه العامة"الإزار الكبير"الذي يغطي رأسها ويستر بدنها، وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، وجنسه"النقاب"فكان النساء ينتقبن.
وفي الصحيح"أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين"وإذا كن مأمورات بالجلباب - وهو ستر الوجه بالنقاب - كان حينئذ واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب. فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس أول الأمرين") انتهى كلام شيخ الإسلام."
وأما الأدلة من السنة فنقتصر على ما يأتي:
الدليل الأول:
عن أم سلمة رضي الله عنها، { أنها كانت عند رسول الله مع ميمونة، قالت: بينما نحن عندها أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال:"احتجبنا منه"فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال"أعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ !"} [رواه الترمذي وغيره، وقال بعد إخراجه: حديث حسن صحيح، وقال ابن حجر: إسناده قوي] .
الدليل الثاني: