ونحن حيث نبحث النظريات الحديثة (الوافدة) المطروحة في أفق الفكر الإسلامي في العصر الحديث - يتبين لنا أنها على وجه العموم بدأت بكتابات المبشرين والمستشرقين ثم سلمت إلى الجيل التابع الذي تشكل في دائرة الاحتواء، فقد حمل الدعوة إلى العامية في البلاد العربية دعاة من أمثال ولكوكس وولموز وسبيتا في مصر وكولون في الجزائر وماسنيون في المغرب، كما تؤكد الأبحاث التاريخية أن أول من نادى بالطورانية والفرعونية والفينيقية وغيرها كان من المستشرقين ثم جاء بعد ذلك طه حسين وسلامة موسى وساطع الحصري وعلي عبد الرازق ومحمود عزمي وغيرهم.
وقد كان هدف حركة الاستشراق واضحًا وهو كما عبر ## 24 ## عنه أربابه يتلخص في عبارة حاسمة:"وضع العلم في خدمة السياسة والاستعمار"وقد استهدف غايات بعيدة أهمها:
أولًا: إذابة الشخصية الإسلامية والقضاء على ذاتيتها الخاصة وطابعها المفرد واحتواؤها.
ثانيا: قطع الصلة بين حاضرها القائم وبين أصولها الإسلامية في محاولة ربطها بماضيها الوثني السابق على الإسلام.
ثالثًا: إثارة الشبهات بهدف خلق جو من الازدراء والاستهانة بالميراث الإسلامي.
رابعًا: كان الاستشراق هو المصنع الذي يقدم السموم لمدارس التبشير وإرسالياته لتطبيقها في مناهجها التي انتقلت إلى المدارس الوطنية.
خامسًا: استهدف هذا العمل تمزيق وحدة فكر العالم الإسلامي وتشتيته بما سمي إسلام عربي وإسلام فارسي وإسلام تركي وهكذا، وبما جرى التركيز عليه من مفاهيم العنصريات وإعلائها حتى ليقول (هاملتون جب) : أن أولى النتائج التي نجمت عن الغزو الفكري أنه زعزع فكرة أن العالم الإسلامي وحدة ثقافية واحدة وتسيطر عليه تقاليد واحدة.
حقًا، لقد بقيت رابطة العطف والماضي المشترك والعقيدة المشتركة ولكن امتزاج الأفكار المأخوذة من الغرب بدرجات ## 25 ## متفاوتة كان قد بدأ ينزع إلى كل مملكة من الممالك الأخرى"."