تعالى: (( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) ) [المائدة:2] ، ولمثل هذا آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار موضحًا هذه الصورة للأجيال القادمة من أمته بقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» متفق عليه، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
وزاد البخاري: «وشبك بين أصابعه» .
أيها الإخوة في الله! وفي وقفة عند هذا التمثيل النبوي الكريم نقول: إن الجدار إذا كان قائمًا وحده فعمره قصير تزلزله الهزات وتزعزعه العواصف وقد ينهار أمامها انهيارًا، أما إذا اتصل بغيره، وتكونت به غرفة، وارتبطت به غرفات، وتراص البنيان وتماسك العمران، فحينئذ يرسخ البناء وتستقر الأركان فلا تتأثر بالحوادث، فالجدار وحده ضعيف ولكنه بأمثاله قوي شديد ذلكم هو مثل المؤمن للمؤمن بنيان مرصوص يشد بعضه بعضًا، المسلمون بجماعتهم مسؤلون عن حماية الحق، وإقامة المثل العليا، والأخلاق الكريمة يدلون على الخير، ويحاربون السوء، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يتعاونون على البر والتقوى، تعاونًا يشمل أمور الحياة كلها بقدر ما تشمله هاتان الكلمتان الجامعتان كلمة البر وكلمة التقوى، فالبر جماع كل خير، والتقوى اتقاء كل شر.
إن باب التعاون مفتوح يلجه كل مؤمن ومؤمنة فلا يترك مناسبة خير إلا سارع فيها ولا يرى نافذة سوء إلا اتقاها وأغلقها، وبهذا يكون المؤمن عوانًا معوانًا وعند حدود الله وقافًا.
أيها الإخوة في الله! هذا التعاون مبدأ من مبادئ هذا الدين يجب أن يشيع في الأمة، فالأفراد حق عليهم أن يتعاونوا في دفع الكروب وتجنب الخطوب يتآزرون لجلب المصالح ودرء المفاسد، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، تعاون في الأسرة حيث تكون الزوجة ظلًا وارفًا وسكنًا دافئًا، ويكون الزوج قوامًا منفقًا وحاميًا أمينًا تعاون بينهما في رعاية صغارهما؛ لينشأ تنشئة مؤمنة ثم تتسع الدائرة؛ لتحيط بالأقربين والجيران رحمة ومواساة ودفعًا للبؤساء ومشاركة في السراء والضراء، تعاون مع ولاة الأمر قيام بحسن الطاعة في المعروف، والتزام بالأدب، واحترام النظم الشرعية من أجل سعادة الدنيا، وانتظام مصالح العباد، تعاون لإعلاء كلمة الله، وطاعة رب العالمين حتى لقد أقسم الحسن البصري رحمه الله: بأن طاعة ولاة أمور المسلمين في المعروف غيظ للأعداء وفرقتهم كفر بالنعمة، ويجمع هذا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين قال: «اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» رواه أحمد والترمذي وقال: