مقاصد الشريعة في الطلاق:
عندما يقرأ الإنسان قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) [1] يتبين للإنسان أن مقاصد الشريعة في باب الأسرة تكمن في إبقاء العشرة الطيبة والمعاشرة بالمعروف، حتى في حالة كره الرجل لزوجته كرهًا شديدًا فإن الإسلام يأمره بالصبر، ويربطه بالعقيدة بالغيب، ويبذل كل جهده لتعويض هذه الكراهية من خلال أنه الله يجعل في هذا الزوج خيرًا كثيرًا في مجالات أخرى في مجال الأجر، وفي مجال الأولاد الصالحين والذرية الصالحة، وفي مجالات أخرى لا يعلمها الإنسان وإنما يعلمها الله تعالى.
فلو تدبرنا الآية السابقة وقرأنا الجزء الأول منها وهي قوله تعالى: (فإن كرهتموهن .... ) فإن القارئ العادي ينتظر أن يكون الجواب أو جزاء الشرط: فلا مانع من الفرقة أو الطلاق مثلًا، ولكن الجواب يكون على عكس التوقع حيث يفهم منه: كلا، لا توقعوا الطلاق، وحافظوا على المعاشرة بالمعروف، فإن لم تتحقق المعاشرة بالإحسان، فلا ينبغي أن ننزل عن درجة المعروف والعدل، ثم يبرر القرآن الكريم هذا الجواب بتمهيد عقدي ونفسي سايكولوجي غريب يقضي على العقدة النفسية التي أدت إلى الكراهية من خلال تفويض الأمر إلى الله، وأن الإنسان لا يعلم الغيب ولا المستقبل، ولا الخير الذي يتحقق في المستقبل، فمهد الله تعالى نفس الكاره للمحبة، أو على الأقل للقبول، لأنه أخبر الله الحكيم بأنه يجعل فيه خيرًا كثيرًا، ومن الناحية النفسية فلا يجتمع في القلب كراهة والإحساس بالخير الكثير، حيث يقوم المصلحون الاجتماعيون والنفسيون بالجلوس مع الزوج والزوجة، ويعدون ما لدى كل واحد من الإيجابيات، وبعد جلة أو جلستين يقتنع الزوج بأن لدى زوجته نقاط كثيرة من الإيجابيات، كما تقتنع الزوجة بأن لدى زوجها الكثير والكثير من الإيجابيات، كما يقتنعان بأن في بقاء الزوجية الخير الكثير.
وقد سمعت هذا كثيرًا من هؤلاء ونجاحاتهم التي تصل إلى نسبة ... مرتفعة.
وإذا نظرنا إلى الآيات التي تتحدث عن الأسرة نجد أن هناك مقاصد شرعية واضحة، وهي (ضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشرية كلها ... روعي فيه حفظ الإنسان من الشك في انتسابها ... ولم تنزل الشرائع تعنى بضبط أصل نظام تكوين العائلة الذي هو اقتران الذكر بالأنثى المعبر عنه بالزواج، ولا جرم أن الأصل في تشريع أمر العائلة هو إحكام آصرة النكاح، ثم إحكام آصرة القرابة، ثم إحكام آصرة الصهر، ثم إحكام كيفية انحلال ما يقبل الانحلال من هذه الأواصر الثلاث ) [2] .
(1) سورة النساء / الآية 19
(2) مقاصد الشريعة للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق ومراجعة الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجه ط. قطر (3/ 421)