فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 39

جَمِيعِ الْعُقُودِ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجِدْ فِي أَلْفَاظِ الْعُقُودِ حَدًّا بَلْ ذَكَرَهَا مُطْلَقَةً فَكَمَا تَنْعَقِدُ الْعُقُودُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْفَارِسِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَلْسُنِ الْعَجَمِيَّةِ فَهِيَ تَنْعَقِدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ وَلِهَذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ . وَطَرَدَ هَذَا النِّكَاحَ فَإِنَّ أَصَحَّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ بَلْ نُصُوصُهُ لَمْ تَدُلُّ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَأَمَّا الْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ وَأَتْبَاعِهِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَمُتَّبِعِيهِ . وَأَمَّا قُدَمَاءُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَجُمْهُورُهُمْ فَلَمْ يَقُولُوا بِهَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَعْتَقْت أَمَتِي وَجَعَلْت عِتْقَهَا صَدَاقَهَا انْعَقَدَ النِّكَاحُ وَلَيْسَ هُنَا لَفْظُ إنْكَاحٍ وَتَزْوِيجٍ وَلِهَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ النِّكَاحُ بِلَفْظِ . وَأَمَّا ابْنُ حَامِدٍ فَطَرَدَ قَوْلَهُ وَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ: وَتَزَوَّجْتهَا وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى جَعَلَ هَذَا خَارِجًا عَنْ الْقِيَاسِ فَجَوَّزَ النِّكَاحَ هُنَا بِدُونِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ . وَأُصُولُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَنُصُوصُهُ تُخَالِفُ هَذَا فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْعُقُودَ تَنْعَقِدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَهُوَ لَا يَرَى اخْتِصَاصَهَا بِالصِّيَغِ . وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ دَلَالَةِ الْحَالِ كَالصَّرِيحِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى إظْهَارِ النِّيَّةِ وَلِهَذَا قَالَ بِذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ وَالْقَذْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالُوا: لِأَنَّ مَا سِوَى اللَّفْظَيْنِ كِنَايَةٌ ؛ وَالْكِنَايَةُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ بَاطِنٌ وَالنِّكَاحُ مُفْتَقِرٌ إلَى شَهَادَةٍ وَالشَّهَادَةُ إنَّمَا تَقَعُ عَلَى السَّمْعِ فَهَذَا أَصْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِينَ خَصُّوا عَقْدَ النِّكَاحِ بِاللَّفْظَيْنِ . وَابْنُ حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ وَافَقُوهُمْ لَكِنَّ أُصُولَ أَحْمَدَ وَنُصُوصَهُ تُخَالِفُ هَذَا ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ بَاطِلَةٌ عَلَى أَصْلِهِ . أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: مَا سِوَى هَذَيْنِ كِنَايَةٌ فَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ كَانَتْ أَلْفَاظُ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ ثَابِتَةً بِعُرْفِ الشَّرْعِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ كالخرقي وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الصَّرِيحَ فِي الطَّلَاقِ هُوَ الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ لِمَجِيءِ الْقُرْآنِ بِذَلِكَ . فَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا ؛ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ كَأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمْ ؛ فَلَا يُوَافِقُونَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الصَّرِيحُ هُوَ لَفْظُ الطَّلَاقِ فَقَطْ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَامِدٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ الصَّرِيحُ أَعَمُّ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كَمَا يَذْكُرُ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: كِلَا الْمُقَدِّمَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ تَلِيهِ مُقَدِّمَةٌ بَاطِلَةٌ . أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِي خِطَابِ الشَّارِعِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَفْظُ السَّرَاحِ وَالْفِرَاقِ فِي الْقُرْآنِ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت