فَصْلٌ وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَاَلَّذِينَ قَالُوا: هِيَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ قَالُوا: إنَّهَا بَيْعُ مَعْدُومٍ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَعْدُومَةٌ حِينَ الْعَقْدِ وَبَيْعُ الْمَعْدُومِ لَا يَجُوزُ . ثُمَّ إنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِإِجَارَةِ الظِّئْرِ لِلرَّضَاعِ فِي قَوْله تَعَالَى { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّ إجَارَةَ الظِّئْرِ لِلرَّضَاعِ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعَ وَإِجَارَةُ الظِّئْرِ عَقْدٌ عَلَى اللَّبَنِ وَاللَّبَنُ مِنْ بَابِ الْأَعْيَانِ لَا مِنْ بَابِ الْمَنَافِعِ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذَكَرَ إجَارَةٍ جَائِزَةٍ إلَّا هَذِهِ وَقَالُوا: هَذِهِ خِلَافُ الْقِيَاسِ وَالشَّيْءُ إنَّمَا يَكُونُ خِلَافَ الْقِيَاسِ إذَا كَانَ النَّصُّ قَدْ جَاءَ فِي مَوْضِعٍ بِحُكْمِ وَجَاءَ فِي مَوْضِعٍ يُشَابِهُ ذَلِكَ بِنَقِيضِهِ فَيُقَالُ: هَذَا خِلَافٌ لِقِيَاسِ ذَلِكَ النَّصِّ . وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْإِجَارَةِ الْبَاطِلَةِ حَتَّى يُقَالَ: الْقِيَاسُ يَقْتَضِي بُطْلَانَ هَذِهِ الْإِجَارَةِ بَلْ فِيهِ ذِكْرُ جَوَازِ هَذِهِ الْإِجَارَةِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ فَسَادِ إجَارَةٍ تُشْبِهُهَا بَلْ وَلَا فِي السُّنَّةِ بَيَانُ إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ تُشْبِهُ هَذِهِ وَإِنَّمَا أَصْلُ قَوْلِهِمْ ظَنُّهُمْ أَنَّ الْإِجَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْمَنَافِعِ الَّتِي هِيَ أَعْرَاضٌ لَا عَلَى أَعْيَانٍ هِيَ أَجْسَامٌ وَسَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَشْفَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ . وَلَمَّا اعْتَقَدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ إجَارَةَ الظِّئْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ صَارَ بَعْضُهُمْ يَحْتَالُ لِإِجْرَائِهَا عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ فَقَالُوا: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِيهَا هُوَ إلْقَامُ الثَّدْيِ أَوْ وَضْعُهُ فِي الْحِجْرِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَاتُ الرَّضَاعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ إنَّمَا هِيَ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَقْصُودِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَإِلَّا فَهِيَ بِمُجَرَّدِهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً وَلَا مَعْقُودًا عَلَيْهَا بَلْ وَلَا قِيمَةَ لَهَا أَصْلًا وَإِنَّمَا هُوَ كَفَتْحِ الْبَابِ لِمَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ حَانُوتًا أَوْ كَصُعُودِ الدَّابَّةِ لِمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً وَمَقْصُودُ هَذَا هُوَ السُّكْنَى وَمَقْصُودُ هَذَا هُوَ الرُّكُوبُ وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأَعْمَالُ مُقَدِّمَاتٌ وَوَسَائِلُ إلَى الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ . ثُمَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا إجَارَةَ الظِّئْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ طَرَدُوا ذَلِكَ فِي مِثْلِ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْعُيُونِ الَّتِي تَنْبُعُ فِي الْأَرْضِ فَقَالُوا: أُدْخِلَتْ ضِمْنًا وَتَبَعًا فِي الْعَقْدِ حَتَّى إنَّ الْعَقْدَ إذَا وَقَعَ عَلَى نَفْسِ الْمَاءِ كَاَلَّذِي يَعْقِدُ عَلَى عَيْنٍ تَنْبُعُ لِيَسْقِيَ بِهَا بُسْتَانَه أَوْ لِيَسُوقَهَا إلَى مَكَانِهِ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَنْتَفِعَ بِمَائِهَا قَالُوا: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْإِجْرَاءُ فِي الْأَرْضِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَكَلَّفُونَهُ وَيُخْرِجُوا الْمَاءَ الْمَقْصُودَ بِالْعُقُودِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ . وَنَحْنُ نُنَبِّهُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ: عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْإِجَارَةَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ إجَارَةَ الظِّئْرِ وَنَحْوَهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ . أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَقُولُ: قَوْلُهُمْ: الْإِجَارَةُ بَيْعُ مَعْدُومٍ وَبَيْعُ الْمَعْدُومِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ: مُقَدِّمَتَانِ مُجْمَلَتَانِ فِيهِمَا تَلْبِيسٌ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: الْإِجَارَةُ بَيْعٌ إنْ أَرَادُوا أَنَّهَا الْبَيْعُ الْخَاصُّ الَّذِي يُعْقَدُ عَلَى الْأَعْيَانِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ أَرَادُوا الْبَيْعَ الْعَامَّ الَّذِي هُوَ مُعَاوَضَةٌ إمَّا عَلَى عَيْنٍ وَإِمَّا عَلَى مَنْفَعَةٍ فَقَوْلُهُمْ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ بَيْعَ الْمَعْدُومِ لَا يَجُورُ إنَّمَا يَسْلَمُ - إنْ سَلِمَ - فِي الْأَعْيَانِ لَا فِي الْمَنَافِعِ وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْبَيْعِ يَحْتَمِلُ هَذَا وَهَذَا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِجَارَةِ: هَلْ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ . وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إنْ عَرَفَا الْمَقْصُودَ انْعَقَدَتْ فَأَيُّ لَفْظٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ عَرَفَ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ مَقْصُودَهُمَا انْعَقَدَ بِهِ الْعَقْدُ وَهَذَا عَامٌّ فِي