اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَحَقُّوا بِعَمَلِهِمْ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرِ كَمَا اسْتَحَقُّوا جُزْءًا مِنْ الزَّرْعِ ؛ وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمْ وَالشَّجَرُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَإِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ الَّتِي يَكُونُ النَّمَاءُ مُشْتَرَكًا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْإِجَارَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ فَإِنَّ اسْتِئْجَارَ الْأَرْضِ لَيْسَ فِيهِ مِنْ النِّزَاعِ مَا فِي الْمُزَارَعَةِ فَإِذَا كَانَتْ إجَارَتُهَا أجوز مِنْ الْمُزَارَعَةِ فَإِجَارَةُ الشَّجَرِ أجوز مِنْ الْمُسَاقَاةِ . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ: هَذَا كَإِجَارَةِ الظِّئْرِ وَالْبِئْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا هُوَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَصْلِ الثَّانِي فِي الْإِجَارَةِ فَنَقُولُ: قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ إجَارَةَ الظِّئْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ إنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى مَنَافِعِ أَعْرَاضٍ لَا تُسْتَحَقُّ بِهَا أَعْيَانٌ وَهَذَا الْقَدْرُ لَمْ يَدُلّ عَلَيْهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ بَلْ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأُصُولُ أَنَّ الْأَعْيَانَ الَّتِي تَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَنَافِعِ كَالثَّمَرِ وَالشَّجَرِ ؛ وَاللَّبَنِ فِي الْحَيَوَانِ ؛ وَلِهَذَا سَوَّى بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فِي الْوَقْفِ ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْفَائِدَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ بَاقِيًا وَأَنْ تَكُونَ الْفَائِدَةُ تَحْدُثُ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَةُ الْوَقْفِ مَنْفَعَةً كَالسُّكْنَى وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثَمَرَةً كَوَقْفِ الشَّجَرِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَبَنًا كَوَقْفِ الْمَاشِيَةِ لِلِانْتِفَاعِ بِلَبَنِهَا . وَكَذَلِكَ"بَابُ التَّبَرُّعَاتِ"فَإِنَّ الْعَارِيَةَ وَالْعُرْيَةَ وَالْمِنْحَةَ هِيَ إعْطَاءُ الْعَيْنِ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا فَالْمِنْحَةُ إعْطَاءُ الْمَاشِيَةِ لِمَنْ يَشْرَبُ لَبَنَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا وَالْعُرْيَةُ إعْطَاءُ الشَّجَرَةِ لِمَنْ يَأْكُلُ ثَمَرَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا وَالسُّكْنَى إعْطَاءُ الدَّارِ لِمَنْ يَسْكُنُهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا فَكَذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ تَارَةً تَكْرِيهِ الْعَيْنَ لِلْمَنْفَعَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أَعْيَانًا كَالسُّكْنَى وَالرُّكُوبِ وَتَارَةً لِلْعَيْنِ الَّتِي تَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ كَلَبَنِ الظِّئْرِ وَنَقْعِ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ فَإِنَّ الْمَاءَ وَاللَّبَنَ لَمَّا كَانَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ كَانَ كَالْمَنْفَعَةِ وَالْمُسَوِّغُ لِلْإِجَارَةِ هُوَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ حَدَثٌ وَالْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا فَشَيْئًا سَوَاءٌ كَانَ الْحَادِثُ عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً إذْ كَوْنُهُ جِسْمًا أَوْ مَعْنًى قَائِمًا بِالْجِسْمِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي جِهَةِ الْجَوَازِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُقْتَضِي لِلْجَوَازِ بَلْ هَذَا أَحَقُّ بِالْجَوَازِ ؛ فَإِنَّ الْأَجْسَامَ أَكْمَلُ مِنْ صِفَاتِهَا ؛ وَلَا يُمْكِنُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إلَّا كَذَلِكَ . وَطُرِدَ هَذَا أَكْثَرُ فِي الظِّئْرِ مِنْ الْحَيَوَانِ لِلْإِرْضَاعِ ثُمَّ الظِّئْرُ تَارَةً تُسْتَأْجَرُ بِأُجْرَةِ مُقَدَّرَةٍ وَتَارَةً بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا وَتَارَةً يَكُونُ طَعَامُهَا وَكِسْوَتُهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأُجْرَةِ . وَأَمَّا الْمَاشِيَةُ إذَا عَقَدَ عَلَى لَبَنِهَا بِعِوَضِ فَتَارَةً يَشْتَرِي لَبَنَهَا مَعَ أَنَّ عَلْفَهَا وَخِدْمَتَهَا عَلَى الْمَالِكِ وَتَارَةً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَهَذَا الثَّانِي يُشْبِهُ ضَمَانَ الْبَسَاتِينِ وَهُوَ بِالْإِجَارَةِ أَشْبَهُ لِأَنَّ اللَّبَنَ تَسْقِيهِ الطِّفْلَ فَيَذْهَبُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ فَهُوَ كَاسْتِئْجَارِ الْعَيْنِ يَسْتَقِي بِمَائِهَا أَرْضَهُ بِخِلَافِ مَنْ يَقْبِضُ اللَّبَنَ فَإِنَّهُ هُنَا قَبَضَ الْعَيْنَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا وَتَسْمِيَةُ هَذَا بَيْعًا وَهَذَا إجَارَةً نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ وَالِاعْتِبَارُ بِالْمَقَاصِدِ . وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَجْعَلُ اخْتِلَافَ الْعِبَارَاتِ مُؤَثِّرًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ حَتَّى إنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُصَحِّحُ الْعَقْدَ بِلَفْظِ دُونَ لَفْظٍ كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ إنَّ السَّلَمَ الْحَالَّ لَا يَجُوزُ وَإِذَا كَانَ