3 -وما هو أثر قول الله عز وجل: أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [49] {سورة التوبة. في نفوس المؤمنين لما قال المنافق:} ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ... [49] سورة التوبة؟ أليس تثبيتًا على تثبيت، وربطًا على القلوب المؤمنة، وردًا على الشبهات، وإسكاتًا لأهل الباطل .. ؟ بلى وربي.
ومن العجب أن الله يعد المؤمنين في رجوعهم من الحديبية بغنائم كثيرة يأخذونها- وهي غنائم خيبر - وأنه سيعجلها لهم، وأنهم سينطلقون إليها دون غيرهم، وأن المنافقين سيطلبون مرافقتهم، وأن المسلمين سيقولون: لن تتبعونا، وأنهم سيصرون يريدون أن يبدلوا كلام الله، وأنهم سيقولون للمؤمنين: بل تحسدوننا، وأن الله أجابهم بقوله: بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا [15] سورة الفتح ثم يحدث هذا كله أمام المؤمنين مرحلة بمرحلة وخطوة بخطوة وكلمة بكلمة ... ومن هنا نستطيع أن ندرك الفرق بين: الذين ربطوا حياتهم بالقرآن، وأقبلوا عليه تلاوة وحفظًا وتفسيرًا وتدبرًا، ومنه ينطلقون، وإليه يفيئون، وبين من جعلوا كلام البشر جل همهم، وشغلهم الشاغل ... ويا ليت الذين يطلبون العلم يجعلون للقرآن، وتفسيره نصيبًا كبيرًا من طلبهم.
ثانيًا: التزام شرع الله والعمل الصالح: قال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [27] {سورة إبراهيم. قال قتادة:' أما الحياة الدنيا: فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة: في القبر '. وقال سبحانه:} وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [66] سورة النساء أي: على الحق، وهذا بيّن، وإلا فهل نتوقع ثباتًا من الكسالى القاعدين عن الأعمال الصالحة إذا أطلت الفتنة برأسها وادلهم الخطب؟! ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم صراطًا مستقيما؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يثابر على الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل. وكان أصحابه إذا عملوا عملًا أثبتوه. وكانت عائشة رضي الله عنها إذا عملت العمل لزمته.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول: [مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْ السُّنَّةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ] رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وهو في صحيح النسائي. أي: السنن الرواتب. وفي الحديث القدسي: [وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ] رواه البخاري.
ثالثًا: تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل: والدليل على ذلك قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [120] سورة هود. فما نزلت تلك الآيات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم للتلهي والتفكه، وإنما لغرض عظيم هو: تثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفئدة المؤمنين معه.