فَصْلٌ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مِنَى فَيَبِيتُ بِهَا وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ يَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهَا فَيَرْمِيَهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ . وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَإِنْ شَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا . وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا رَمَاهَا أَنْ يَتَقَدَّمَ قَلِيلًا إلَى مَوْضِعٍ لَا يُصِيبُهُ الْحَصَى فَيَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ . ثُمَّ يَذْهَبُ إلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ فَيَرْمِيهَا كَذَلِكَ فَيَتَقَدَّمُ عَنْ يَسَارِهِ يَدْعُو مِثْلَ مَا فَعَلَ عِنْدَ الْأُولَى . ثُمَّ يَرْمِي الثَّالِثَةَ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ أَيْضًا وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا . ثُمَّ يَرْمِي فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ مِنَى مِثْلَ مَا رَمَى فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ إنْ شَاءَ رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِنَفْسِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى: { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } الْآيَةَ . فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنَى أَقَامَ حَتَّى يَرْمِيَ مَعَ النَّاسِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَلَا يَنْفِرُ الْإِمَامُ الَّذِي يُقِيمُ لِلنَّاسِ الْمَنَاسِكَ بَلْ السُّنَّةُ أَنْ يُقِيمَ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالسُّنَّةُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ بِمِنَى وَيُصَلِّيَ خَلْفَهُ أَهْلُ الْمَوْسِمِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَدَعَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ مِنَى . وَهُوَ مَسْجِدُ الْخَيْفِ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِالنَّاسِ قَصْرًا بِلَا جَمْعٍ بِمِنَى وَيَقْصُرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ خَلْفَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُ أَهْلِ مَكَّةَ . وَإِنَّمَا رُوِيَ { عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ } لَمَّا صَلَّى بِهِمْ بِمَكَّةَ نَفْسِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إمَامٌ عَامٌّ صَلَّى الرَّجُلُ بِأَصْحَابِهِ ؛ وَالْمَسْجِدُ بُنِيَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِهِ . ثُمَّ إذَا نَفَرَ مِنْ مِنَى فَإِنْ بَاتَ بِالْمُحَصِّبِ - وَهُوَ الْأَبْطَحُ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ - ثُمَّ نَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَسَنٌ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاتَ بِهِ وَخَرَجَ . وَلَمْ يُقِمْ بِمَكَّةَ بَعْدَ صُدُورِهِ مِنْ مِنَى لَكِنَّهُ وَدَّعَ الْبَيْتَ وَقَالَ: { لَا يَنْفِرَن أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ } فَلَا يَخْرُجُ الْحَاجُّ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ فَيَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ وَمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ . وَهَذَا الطَّوَافُ يُؤَخِّرُهُ الصَّادِرُ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَكُونَ بَعْدَ جَمِيعِ أُمُورِهِ فَلَا يَشْتَغِلُ بَعْدَهُ بِتِجَارَةِ وَنَحْوِهَا لَكِنْ إنْ قَضَى حَاجَتَهُ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فِي طَرِيقِهِ بَعْدَ الْوَدَاعِ أَوْ دَخَلَ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِيَحْمِلَ الْمَتَاعَ عَلَى دَابَّتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الرَّحِيلِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ الْوَدَاعِ أَعَادَهُ وَهَذَا الطَّوَافُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَكِنْ يَسْقُطُ عَنْ الْحَائِضِ . وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ فَيَضَعُ عَلَيْهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ وَيَدْعُوَ وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى حَاجَتَهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ طَوَافِ الْوَدَاع فَإِنَّ هَذَا الِالْتِزَامُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَالُ الْوَدَاعِ أَوْ غَيْرِهِ وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حِينَ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ وَإِنْ شَاءَ قَالَ فِي دُعَائِهِ الدُّعَاءَ الْمَأْثُورَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:"اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك حَمَلْتنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك وَسَيَّرْتنِي فِي بِلَادِك حَتَّى بَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك"