فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 72

كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذَا فِي الْوُجُودِ . ثُمَّ صَاحِبُ الْفُصُوصِ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الْعَدَمِ وَغَيْرُهُ يَقُولُ: مَا ثَمَّ سِوَى وُجُودِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الْمَعَايِبِ وَالْمَثَالِبِ . ( الْخَامِسُ ) أَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى . وَاَلَّذِينَ عَبَدُوا وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقُ وَنَسْرًا وَاَلَّذِينَ عَبَدُوا الشِّعْرَى وَالنَّجْمَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ . وَاَلَّذِينَ عَبَدُوا الْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَةَ وَسَائِرُ مَنْ عَبَدَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ: مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ فِرْعَوْنَ وَبَنِيَّ إسْرَائِيلَ وَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَرَبِ: مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِثْلُ قَوْلِ صَاحِبِ الْفُصُوصِ فِي فَصِّ الْكَلِمَةِ النوحية . { وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا } لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِالْمَدْعُوِّ لِأَنَّهُ مَا عُدِمَ مِنْ الْبِدَايَةِ فَيُدْعَى إلَى الْغَايَةِ { أَدْعُو إلَى اللَّهِ } فَهَذَا عَيْنُ الْمَكْرِ { عَلَى بَصِيرَةٍ } فَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ لَهُ كُلَّهُ فَأَجَابُوهُ مَكْرًا كَمَا دَعَاهُمْ - إلَى أَنْ قَالَ - فَقَالُوا فِي مَكْرِهِمْ: { لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } . فإنهم إذَا تَرَكُوهُمْ جَهِلُوا مِنْ الْحَقِّ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَكُوا مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ لِلْحَقِّ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ وَجْهًا خَاصًّا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَهُ وَيَجْهَلُهُ مَنْ جَهِلَهُ فِي الْمُحَمَّدِيِّينَ: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ } أَيْ حَكَمَ فَالْعَالِمُ يَعْلَمُ مَنْ عَبَدَ وَفِي أَيِّ صُورَةِ ظَهَرَ حَتَّى عَبَدَ وَأَنَّ التَّفْرِيقَ وَالْكَثْرَةَ كَالْأَعْضَاءِ فِي الصُّورَةِ الْمَحْسُوسَةِ وَكَالْقُوَى الْمَعْنَوِيَّةِ فِي الصُّورَةِ الرُّوحَانِيَّةِ . فَمَا عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَعْبُودٍ ؛ فَالْأَدْنَى مَنْ تَخَيَّلَ فِيهِ الْأُلُوهِيَّةَ فَلَوْلَا هَذَا التَّخَيُّلُ مَا عُبِدَ الْحَجَرُ وَلَا غَيْرُهُ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: { قُلْ سَمُّوهُمْ } فَلَوْ سَمَّوْهُمْ لَسَمَّوْهُمْ حَجَرًا وَشَجَرًا وَكَوْكَبًا . وَلَوْ قِيلَ لَهُمْ: مَنْ عَبَدْتُمْ ؟ لَقَالُوا: إلَهًا وَاحِدًا مَا كَانُوا يَقُولُونَ: اللَّهَ وَلَا الْإِلَهَ إلَّا عَلَى مَا تَخَيَّلَ ؛ بَلْ قَالَ: هَذَا مُجَلَّى إلَهِي يَنْبَغِي تَعْظِيمُهُ فَلَا يَقْتَصِرُ ؛ فَالْأَدْنَى صَاحِبُ التَّخَيُّلِ يَقُولُ: { مَا نَعْبُدُهُمْ إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى } وَالْأَعْلَى الْعَالِمُ يَقُولُ: { فَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا } حَيْثُ ظَهَرَ: { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } الَّذِينَ خَبَتْ نَارُ طَبِيعَتِهِمْ فَقَالُوا:"إلَهًا"وَلَمْ يَقُولُوا:"طَبِيعَةً". وَقَالَ أَيْضًا فِي فَصِّ الهارونية: ثُمَّ قَالَ هَارُونُ لِمُوسَى: { إنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرَائِيلَ } فَتَجْعَلُنِي سَبَبًا فِي تَفْرِيقِهِمْ فَإِنَّ عِبَادَةَ الْعِجْلِ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمْ فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ عَبَدَهُ اتِّبَاعًا لِلسَّامِرِيِّ وَتَقْلِيدًا لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ عَنْ عِبَادَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ مُوسَى إلَيْهِمْ فَيَسْأَلُونَهُ فِي ذَلِكَ فَخَشِيَ هَارُونُ أَنْ يُنْسَبَ ذَلِكَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمْ إلَيْهِ فَكَانَ مُوسَى أَعْلَمَ بِالْأَمْرِ مِنْ هَارُونَ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا عَبَدَهُ أَصْحَابُ الْعِجْلِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَضَى أَنْ لَا يُعْبَدَ إلَّا إيَّاهُ وَمَا حَكَمَ اللَّهُ بِشَيْءِ إلَّا وَقَعَ فَكَانَ عَتَبُ مُوسَى أَخَاهُ هَارُونَ: لَمَّا وَقَعَ الْأَمْرُ فِي إنْكَارِهِ وَعَدِمَ اتِّسَاعَهُ فَإِنَّ الْعَارِفَ مَنْ يَرَى الْحَقَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَلْ يَرَاهُ عَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ فَكَانَ مُوسَى يُرَبِّي هَارُونَ تَرْبِيَةَ عِلْمٍ وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ فِي السِّنِّ . وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ لَهُ هَارُونُ مَا قَالَ: رَجَعَ إلَى السَّامِرِيِّ فَقَالَ لَهُ: { فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ } يَعْنِي فِيمَا صَنَعْت مِنْ عُدُولِك إلَى صُورَةِ الْعِجْلِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَسَاقَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ قَالَ: فَكَانَ عَدَمُ قُوَّةِ إرْدَاعِ هَارُونَ بِالْفِعْلِ: أَنْ يَنْفُذَ فِي أَصْحَابِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت