يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا غَايَتُهُمْ أَنَّهُمْ عَبَدُوهُ فِي بَعْضِ الْمَظَاهِرِ وَتَرَكُوا بَعْضَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْرٍ بِهِ فِيهَا . وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا قَصَّهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِنْ مُعَادَاتِهِ لِمَا عَبَدَهُ أُولَئِكَ هُوَ عِنْدَهُمْ مُعَادَاةٌ لِلَّهِ لِأَنَّهُ مَا عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ كَمَا زَعَمَ الْمُلْحِدُونَ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ } قَالُوا . وَمَا قَضَى اللَّهُ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ . وَهَذَا هُوَ الْإِلْحَادُ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَتَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ"قَضَى"هُنَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْقَدَرِ وَالتَّكْوِينِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ وَبِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ حَتَّى يُقَالَ: مَا قَدَّرَ اللَّهُ شَيْئًا إلَّا وَقَعَ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى أَمَرَ وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ ؛ فَتَدَبَّرْ هَذَا التَّحْرِيفَ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مَا حَكَمَ اللَّهُ بِشَيْءِ إلَّا وَقَعَ كَلَامٌ مُجْمَلٌ ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَكُونُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَهُوَ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ كَقَوْلِهِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ } الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا } وَقَوْلُهُ: { ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } وَيَكُونُ الْحُكْمُ حُكْمًا بِالْحَقِّ وَالتَّكْوِينِ وَالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: { فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي } وَقَوْلُهُ: { قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ } . وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقْرَءُونَ وَوَصَّى رَبُّك أَنْ لَا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرُوا أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ وَلِهَذَا قَالَ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا } الْآيَةَ وَسَاقَ أَمْرَهُ وَوَصَايَاهُ إلَى أَنْ قَالَ: { ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا } . فَخَتَمَ الْكَلَامَ بِمِثْلِ مَا فَتَحَهُ بِهِ مِنْ أَمْرِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَنَهْيِهِ عَنْ الشِّرْكِ لَيْسَ هُوَ إخْبَارًا أَنَّهُ مَا عَبَدَ أَحَدٌ إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ذَلِكَ وَكَوَّنَهُ وَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ: { وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ } ؟ وَعِنْدَهُمْ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ يُجْعَلُ إلَهًا آخَرَ فَأَيُّ شَيْءٍ عُبِدَ فَهُوَ نَفْسُ الْإِلَهِ لَيْسَ آخَرَ غَيْرَهُ . وَمِثْلُ مُعَادَاةِ إبْرَاهِيمَ وَالْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ - عَلَى زَعْمِهِمْ - حَيْثُ عَادَى الْعَابِدِينَ وَالْمَعْبُودِينَ وَمَا عُبِدَ غَيْرُ اللَّهِ وَمَا عَبَدَ اللَّهُ غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ عَيْنُ كُلِّ عَابِدٍ وَعَيْنُ كُلِّ مَعْبُودٍ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } وَعَلَى زَعْمِهِمْ مَا لِلَّهِ عَدُوٌّ أَصْلًا وَأَنَّهُ مَا ثَمَّ غَيْرُ وَلَا سِوَى بِحَيْثُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عَدُوَّ نَفْسِهِ أَوْ عَدُوَّ الذَّوَاتِ الَّتِي لَا يَظْهَرُ إلَّا بِهَا . ( السَّادِسُ ) أَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّ دَعْوَةَ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الدَّعْوَةَ إلَى اللَّهِ مَكْرٌ بِالْمَدْعُوِّ فَإِنَّهُ مَا عُدِمَ مِنْ الْبِدَايَةِ فَيُدْعَى إلَى الْغَايَةِ . وَقَالَ أَيْضًا صَاحِبُ الْفُصُوصِ: { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } الَّذِينَ خَبَتْ نَارُ طَبِيعَتِهِمْ فَقَالُوا إلَهًا وَلَمْ يَقُولُوا طَبِيعَةً: { وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا } أَيْ حَيَّرُوهُمْ فِي تَعْدَادِ الْوَاحِدِ بِالْوُجُوهِ وَالنِّسَبِ: { وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ } لِأَنْفُسِهِمْ الْمُصْطَفَيْنَ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ فَهُمْ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ فَقَدَّمَهُ عَلَى الْمُقْتَصِدِ وَالسَّابِقِ: { إلَّا ضَلَالًا } أَيْ إلَّا حَيْرَةً وَفِي الْمُحَمَّدِيِّ زِدْنِي فِيك تَحَيُّرًا . { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } لَهُ فَالْمُحَيِّرُ لَهُ الدَّوْرُ وَالْحَرَكَةُ الدَّوْرِيَّةُ حَوْلَ الْقُطْبِ فَلَا يَبْرَحُ مِنْهُ وَصَاحِبُ الطَّرِيقِ الْمُسْتَطِيلِ مَائِلٌ خَارِجٌ عَنْ الْمَقْصُودِ طَالِبٌ مَا هُوَ فِيهِ صَاحِبُ خَيَالٍ إلَيْهِ غَايَتُهُ