الصفحة 20 من 87

وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي مُسَمَّى"الْقِيَاسِ". فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ مَجَازٌ فِي قِيَاسِ الشُّمُولِ - كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ المقدسي . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ هُوَ بِالْعَكْسِ حَقِيقَةٌ فِي الشُّمُولِ مَجَازٌ فِي التَّمْثِيلِ - كَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا وَالْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَأَنْوَاعِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَهُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ حَقِيقَةَ أَحَدِهِمَا هُوَ حَقِيقَةُ الْآخَرِ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ صُورَةُ الِاسْتِدْلَالِ . وَ"الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ"تَقْدِيرُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ تَقْدِيرَ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ بِنَظِيرِهِ الْمُعَيَّنِ وَتَقْدِيرَهُ بِالْأَمْرِ الْكُلِّيِّ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ فَإِنَّ الْكُلِّيَّ هُوَ مِثَالٌ فِي الذِّهْنِ لِجُزْئِيَّاتِهِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ مُطَابِقًا مُوَافِقًا لَهُ . وَ"قِيَاسُ الشُّمُولِ"هُوَ انْتِقَالُ الذِّهْنِ مِنْ الْمُعَيَّنِ إلَى الْمَعْنَى الْعَامِّ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِمَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرَكَ الْكُلِّيَّ بِأَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ اللَّازِمِ إلَى الْمَلْزُومِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُعَيَّنُ فَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ خَاصٍّ إلَى عَامٍّ ثُمَّ انْتِقَالٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ مِنْ جُزْئِيٍّ إلَى كُلِّيٍّ ثُمَّ مِنْ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ إلَى الْجُزْئِيِّ الْأَوَّلِ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْكُلِّيِّ . وَلِهَذَا كَانَ الدَّلِيلُ أَخَصَّ مِنْ مَدْلُولِهِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الدَّلِيلِ وُجُودُ الْحُكْمِ وَاللَّازِمُ لَا يَكُونُ أَخَصَّ مِنْ مَلْزُومِهِ بَلْ أَعَمَّ مِنْهُ أَوْ مُسَاوِيهِ وَهُوَ الْمُعْنَى بِكَوْنِهِ أَعَمَّ . وَالْمَدْلُولُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْحُكْمِ وَهُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْمُخْبَرُ عَنْهُ الْمَوْصُوفُ الْمَوْضُوعُ إمَّا أَخَصُّ مِنْ الدَّلِيلِ أَوْ مُسَاوِيهِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ لَا يَكُونُ أَعَمَّ مِنْ الدَّلِيلِ ؛ إذْ لَوْ كَانَ أَعَمَّ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ الدَّلِيلُ لَازِمًا لَهُ فَلَا يُعْلَمُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لَهُ فَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ دَلِيلًا وَإِنَّمَا يَكُونُ ؛ إذَا كَانَ لَازِمًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الْمَوْصُوفِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ الَّذِي يُسَمَّى الْمَوْضُوعَ . وَالْمُبْتَدَأُ مُسْتَلْزِمًا لِلْحُكْمِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ وَخَبَرٌ وَحُكْمٌ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمَحْمُولَ وَالْخَبَرَ وَهَذَا كَالسُّكْرِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَأَخَصُّ مِنْ التَّحْرِيمِ وَقَدْ يَكُونُ الدَّلِيلُ مُسَاوِيًا فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ لِلْحُكْمِ لَازِمًا لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ . فَهَذَا هُوَ جِهَةُ دِلَالَتِهِ سَوَاءٌ صُوِّرَ قِيَاسَ شُمُولٍ وَتَمْثِيلٍ أَوْ لَمْ يُصَوَّرْ كَذَلِكَ . وَهَذَا أَمْرٌ يَعْقِلُهُ الْقَلْبُ وَإِنْ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ اللِّسَانُ . وَلِهَذَا كَانَتْ أَذْهَانُ بَنِي آدَمَ تَسْتَدِلُّ بِالْأَدِلَّةِ عَلَى الْمَدْلُولَاتِ وَإِنْ لَمْ يُعَبِّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِالْعِبَارَاتِ الْمُبَيِّنَةِ لِمَا فِي نُفُوسِهِمْ وَقَدْ يُعَبِّرُونَ بِعِبَارَاتِ مُبَيِّنَةٍ لِمَعَانِيهِمْ وَإِنْ لَمْ يَسْلُكُوا اصْطِلَاحَ طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَلَا الْمَنْطِقِ وَلَا غَيْرِهِمْ فَالْعِلْمُ بِذَلِكَ الْمَلْزُومِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِدَلِيلِ آخَرَ . وَأَمَّا"قِيَاسُ التَّمْثِيلِ"فَهُوَ انْتِقَالُ الذِّهْنِ مِنْ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ إلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ يَلْزَمُ الْمُشْتَرَكَ الْكُلِّيَّ . ثُمَّ الْعِلْمُ بِذَلِكَ اللُّزُومِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنًا كَمَا تَقَدَّمَ فَهُوَ يَتَصَوَّرُ الْمُعَيَّنَيْنِ أَوَّلًا وَهُمَا الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى لَازِمِهِمَا وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ ثُمَّ إلَى لَازِمِ اللَّازِمِ وَهُوَ الْحُكْمُ وَلَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الْحُكْمَ لَازِمُ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى هُنَاكَ قَضِيَّةً كُبْرَى ثُمَّ يَنْتَقِلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت