الصفحة 22 من 87

فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ كَوْنِ الْبُرْهَانِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ صَحِيحٌ وَلِهَذَا لَا يُثْبِتُونَ بِهِ إلَّا مَطْلُوبًا كُلِّيًّا . وَيَقُولُونَ: الْبُرْهَانُ لَا يُفِيدُ إلَّا الْكُلِّيَّاتِ ثُمَّ أَشْرَفُ الْكُلِّيَّاتِ هِيَ الْعَقْلِيَّاتُ الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ وَالتَّبْدِيلَ وَهِيَ الَّتِي تَكْمُلُ بِهَا النَّفْسُ فَتَصِيرُ عَالَمًا مَعْقُولًا مُوَازِيًا لِلْعَالَمِ الْمَوْجُودِ بِخِلَافِ الْقَضَايَا الَّتِي تَتَبَدَّلُ وَتَتَغَيَّرُ . وَإِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ بِهِ هُوَ الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّبْدِيلَ وَالتَّغْيِيرَ فَتِلْكَ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ الْوَاجِبِ قَبُولُهَا ؛ بَلْ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْقَضَايَا الَّتِي جِهَتُهَا الْوُجُوبُ كَمَا يُقَالُ كُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَكُلُّ مَوْجُودٍ فَإِمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ . وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ . وَلِهَذَا كَانَتْ الْعُلُومُ"ثَلَاثَةً": إمَّا عِلْمٌ لَا يَتَجَرَّدُ عَنْ الْمَادَّةِ لَا فِي الذِّهْنِ وَلَا فِي الْخَارِجِ وَهُوَ"الطَّبِيعِيُّ"وَمَوْضُوعُهُ الْجِسْمُ . وَإِمَّا مُجَرَّدٌ عَنْ الْمَادَّةِ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ وَهُوَ"الرِّيَاضِيُّ": كَالْكَلَامِ فِي الْمِقْدَارِ وَالْعَدَدِ . وَأَمَّا مَا يَتَجَرَّدُ عَنْ الْمَادَّةِ مِنْهَا وَهُوَ"الْإِلَهِيُّ"وَمَوْضُوعُهُ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ بِلَوَاحِقِهِ الَّتِي تَلْحَقُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُودٌ . كَانْقِسَامِهِ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ وَجَوْهَرٍ وَعَرَضٍ . وَانْقَسَمَ الْجَوْهَرُ إلَى مَا هُوَ حَالٌّ وَإِلَى مَا هُوَ مَحَلٌّ . وَمَا لَيْسَ بِحَالِّ وَلَا مَحَلٍّ بَلْ هُوَ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ وَإِلَى مَا لَيْسَ بِحَالِّ وَلَا مَحَلٍّ وَلَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ . ( فَالْأَوَّلُ هُوَ الصُّورَةُ وَ ( الثَّانِي هُوَ الْمَادَّةُ . وَهُوَ الْهَيُولَى وَمَعْنَاهُ فِي لُغَتِهِمْ الْمَحَلُّ . وَ ( الثَّالِثُ هُوَ النَّفْسُ . وَ ( الرَّابِعُ هُوَ الْعَقْلُ . وَ ( الْأَوَّلُ يَجْعَلُهُ أَكْثَرُهُمْ مِنْ مَقُولَةِ الْجَوْهَرِ ؛ وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَابْنِ سِينَا امْتَنَعُوا مِنْ تَسْمِيَتِهِ جَوْهَرًا وَقَالُوا: الْجَوْهَرُ مَا إذَا وُجِدَ كَانَ وُجُودُهُ لَا فِي مَوْضُوعٍ أَيْ لَا فِي مَحَلٍّ يَسْتَغْنِي عَنْ الْحَالِّ فِيهِ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا وُجُودُهُ غَيْرُ مَاهِيَّتِهِ وَالْأَوَّلُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ جَوْهَرًا . وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ سَلَفَهُمْ وَنَازَعُوهُمْ فِيهِ نِزَاعًا لَفْظِيًّا وَلَمْ يَأْتُوا بِفَرْقِ صَحِيحٍ مَعْقُولٍ فَإِنَّ تَخْصِيصَ اسْمِ الْجَوْهَرِ بِمَا ذَكَرُوهُ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: بَلْ هُوَ كُلُّ مَا لَيْسَ فِي مَوْضُوعٍ كَمَا يَقُولُ الْمُتَكَلِّمُونَ كُلُّ مَا هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ أَوْ كُلُّ مَا هُوَ مُتَحَيِّزٌ أَوْ كُلُّ مَا قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ أَوْ كُلُّ مَا حَمَلَ الْأَعْرَاضَ وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْفَرْقُ الْمَعْنَوِيُّ فَدَعْوَاهُمْ أَنَّ وُجُودَ الْمُمْكِنَاتِ زَائِدٌ عَلَى مَاهِيَّتِهَا فِي الْخَارِجِ بَاطِلٌ . وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ الْأَوَّلَ وُجُودٌ مُقَيَّدٌ بِالسُّلُوبِ أَيْضًا بَاطِلٌ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ عَلَى الْبُرْهَانِ . فَيُقَالُ: هَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ ضَلَّ بِهِ طَوَائِفُ فَهُوَ كَلَامٌ مُزَخْرَفٌ وَفِيهِ مِنْ الْبَاطِلِ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ لَكِنْ نُنَبِّهُ هُنَا عَلَى بَعْضِ مَا فِيهِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: ( الْأَوَّلُ: أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ الْبُرْهَانُ لَا يُفِيدُ إلَّا الْعِلْمَ بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إلَّا مَوْجُودٌ مُعَيَّنٌ ؛ لَمْ يُعْلَمْ بِالْبُرْهَانِ شَيْءٌ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ ؛ فَلَا يُعْلَمُ بِهِ مَوْجُودٌ أَصْلًا بَلْ إنَّمَا يُعْلَمُ بِهِ أُمُورٌ مُقَدَّرَةٌ فِي الْأَذْهَانِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّفْسَ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ كَمَالَهَا فِي الْعِلْمِ فَقَطْ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ قَضِيَّةً كَاذِبَةً كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَيْسَ هَذَا عِلْمًا تَكْمُلُ بِهِ النَّفْسُ ؛ إذْ لَمْ تَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ وَلَا صَارَتْ عَالَمًا مَعْقُولًا مُوَازِيًا لِلْعَالَمِ الْمَوْجُودِ بَلْ صَارَتْ عَالَمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت