الصفحة 11 من 17

فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ؟ وَإِذَا أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ مَنَعَتْ كَمَالَ صَلَاحِهَا وَأَفْسَدَتْهَا: فَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَيَجِبُ أَلَّا يَأْخُذَ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ . وَمَنْ قَالَ: إنَّ الثَّمَرَةَ تُضْمَنُ بِالْقَبْضِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّهَا تُضْمَنُ بِالْقَبْضِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ فَإِذَا تَلِفَتْ هُنَا تَكُونُ مِنْ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَضْمَنُوا قِيمَتَهَا حِينَ تَلِفَتْ وَقَدْ يَكُونُ تَلَفُهَا فِي أَوَائِلِ ظُهُورِهَا وَقِيمَتُهَا قَلِيلَةٌ وَقَدْ يَكُونُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَهَذَا مِمَّا يُلْزِمُهُمْ فِيهِ إلْزَامًا قَوِيًّا وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مُسْتَحِقَّةً التَّبْقِيَةَ فَكَثِيرٌ مِنْ أَجْزَائِهَا وَصِفَاتِهَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ فَإِذَا تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ وَلَمْ نَضَعْ عَنْهُ الْجَائِحَةَ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَضْمَنَ إلَّا مَا قَبَضَهُ دُونَ مَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَيَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ قِيمَتَهَا حِينَ أَصَابَتْهَا الْجَائِحَةُ فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَى قِيمَتِهَا وَقْتَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَيَضْمَنُ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَبَضَ بَعْضَ الْمَبِيع وَبَعْضَ مَنْفَعَةِ الْإِجَارَةِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا قَبَضَهُ دُونَ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ بَعْدُ . فَأَمَّا أَنْ يَجْعَلَ الْأَجْزَاءَ وَالصِّفَاتِ الْمَعْدُومَةَ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ مِنْ ضَمَانِهِ وَهِيَ لَمْ تُوجَدْ فَهَذَا خِلَافُ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ ظُلْمٌ بَيِّنٌ لَا وَجْهَ لَهُ . وَمَنْ قَالَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ إذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَقَبَضَ أَصْلَهَا وَلَمْ يُخْلَقْ مِنْهَا شَيْءٌ لِآفَةِ مَنَعَتْ الطَّلْعَ أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ جَمِيعَهُ لِلْبَائِعِ وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ . وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ لَوْ بَدَا صَلَاحُهَا فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَتَلِفَتْ بِآفَةِ سَمَاوِيَّةٍ أَنْ يَضْمَنَ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ كَمَا يَضْمَنُهَا عِنْدَهُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَإِنَّ مَا ضُمِنَ بِالْقَبْضِ فِي أَحَدِهِمَا ضُمِنَ بِالْقَبْضِ فِي الْآخَرِ إلَّا أَنَّهُ يُضْمَنُ هُنَا بِالْمُسَمَّى وَهُنَاكَ بِالْبَدَلِ . وَهَذِهِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لَا مَحِيصَ عَنْهَا فَإِنَّهُ إنْ جَعَلَ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْ الْأَجْزَاءِ مَقْبُوضًا لَزِمَهُ أَنْ يَضْمَنَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَإِنْ جَعَلَهُ غَيْرَ مَقْبُوضٍ لَزِمَهُ أَلَّا يَضْمَنَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ . وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ قَطْعًا مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ . وَمَنْ قَالَ مِنْ الْكُوفِيِّينَ: إنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ مَا وُجِدَ فَقَطْ وَهُوَ الْمَقْبُوضُ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ ؛ لَكِنْ لَزِمَهُ مُخَالَفَةُ النُّصُوصِ الْمُسْتَفِيضَةِ وَمُخَالَفَةُ عَمَلِ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَمُخَالَفَةُ الْأُصُولِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَمُخَالَفَةُ الْعَدْلِ الَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ . وَهَذَا كَالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ عَلَى وُجُوبِ وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَوَضْعُهَا فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ أَقْوَى . وَأَمَّا إذَا جَعَلْنَا الضَّمَانَ صَحِيحًا فَإِنَّا نَقُولُ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ فِيهِ . كَمَا نَقُولُهُ فِي الشِّرَاءِ وَأَوْلَى أَيْضًا وَأَمَّا مَنْ يُصَحِّحُ هَذِهِ الْحِيلَةَ وَيَرَى الْعَقْدَ صَحِيحًا فَقَدْ يَقُولُ: أَنْتَ مُسَاقٍ وَالْمُسَاقَاةُ لَيْسَ فِيهَا جَائِحَةٌ فَيُبْنَى هَذَا عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الْمُسَاقَاةِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت