فَصْلٌ إذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَقَدْ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ عَنْهَا أَوْ تَغْرَقُ قَبْلَ الزَّرْعِ . وَقَدْ يَنْقَطِعُ الْمَاءُ عَنْهَا أَوْ تَغْرَقُ أَوْ يُصِيبُ الزَّرْعَ آفَةٌ بَعْدَ زَرْعِهَا وَقَبْلَ وَقْتِ الْحَصَادِ فَمَا الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ ؟ . الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ فِي انْقِطَاعِ الْمَاءِ: أَنَّ انْقِطَاعَهُ بَعْدَ الزَّرْعِ كَانْقِطَاعِهِ قَبْلَهُ إنْ حَصَلَ مَعَهُ بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ وَجَبَ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِ ذَلِكَ وَإِنْ تَعَطَّلَتْ الْمَنْفَعَةُ كُلُّهَا فَلَا أُجْرَةَ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: عَنْ رَجُلٍ اكْتَرَى أَرْضًا يَزْرَعُهَا وَانْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا قَبْلَ تَمَامِ الْوَقْتِ ؟ قَالَ: يُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا أَوْ بِقَدْرِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا . فَصَرَّحَ بِأَنَّ انْقِطَاعَ الْمَاءِ بَعْدَ الزَّرْعِ يُوجِبُ أَنْ يُحَطَّ عَنْهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَعَلَى هَذَا أَصْحَابُنَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ . وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّهُ إذَا اكْتَرَى أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَزَرَعَهَا ثُمَّ أَصَابَهَا غَرَقُ آفَةٍ مِنْ غَيْرِ الشُّرْبِ فَلَمْ يَنْبُتْ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّهَا لَوْ غَرِقَتْ فِي وَقْتِ زَرْعِهَا فَلَمْ يُمْكِنْهُ الزِّرَاعَةُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْأُجْرَةُ لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ صَاحِبُ التَّفْرِيعِ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي الصُّورَتَيْنِ . فَالْقَاضِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ كَالنَّصَّيْنِ الْمُفْتَرِقَيْنِ: يُفَرِّقُ بَيْنَ انْقِطَاعِ الْمَاءِ وَبَيْنَ حُدُوثِ الْغَرَقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْآفَاتِ بِأَنَّ انْقِطَاعَ الْمَاءِ فَوَاتُ نَفْسِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَرْضٌ لَهَا مَاءٌ فَانْقِطَاعُ الْمَاءِ الْمُعْتَادُ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ . وَالْأُجْرَةُ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِدَوَامِ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ . وَأَمَّا الْغَرَقُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْآفَاتِ الَّتِي تُفْسِدُ الزَّرْعَ فَهُوَ إتْلَافٌ لِعَيْنِ مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَتَلِفَ لَهُ فِيهَا ثَوْبٌ . وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ: أَنَّهُ مَعَ انْقِطَاعِ الْمَاءِ لَمْ تَسْلَمْ الْمَنْفَعَةُ وَمَعَ تَلَفِ الزَّرْعِ تَسْلَمُ الْمَنْفَعَةُ ؛ لَكِنْ حَصَلَ مَا أَتْلَفَ مِلْكَ الْمُسْتَأْجِرِ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَ بَعْدَ الْحَصَادِ . وَسَوَّى طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا - كَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ - فِي الْإِجَارَةِ بَيْنَ انْقِطَاعِ الْمَاءِ وَحُدُوثِ الْغَرَقِ الَّذِي يَمْنَعُ الزَّرْعَ أَوْ يَضُرُّ الزَّرْعَ ؛ بِأَنَّ ذَلِكَ إنْ عَطَّلَ الْمَنْفَعَةَ أَسْقَطَ الْأُجْرَةَ وَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ مَعَهُ عَلَى تَعَبٍ مِنْ الْقُصُورِ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْغَرَقُ يَمْنَعُ بَعْضَ الزِّرَاعَةِ أَوْ يَسُوءُ الزَّرْعَ ثَبَتَ بِهِ الْفَسْخُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ كَغَرَقِ بِمَاءِ يَنْحَسِرُ فِي قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ لَا يَمْنَعُ الزَّرْعَ وَلَا يَضُرُّهُ وَانْقِطَاعُ الْمَاءِ عَنْهَا إذَا سَاقَ الْمُؤَجِّرُ إلَيْهَا الْمَاءَ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ أَوْ كَانَ انْقِطَاعُهُ فِي زَمَنٍ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ . وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَنْقُلُ جَوَابَ أَحْمَدَ مِنْ مَسْأَلَةِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ إلَى مَسْأَلَةِ غَرَقِ الزَّرْعِ وَمِنْ مَسْأَلَةِ غَرَقِ الزَّرْعِ إلَى مَسْأَلَةِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ . وَذَلِكَ إنْ غَرِقَ الزَّرْعُ الْحَادِثُ قَبْلَ الزَّرْعِ إذَا مُنِعَ مِنْ الزَّرْعِ فَالْحَادِثُ بَعْدَهُ يَمْنَعُ مِنْ نَبَاتِ الزَّرْعِ كَمَا أَنَّ انْقِطَاعَ الْمَاءِ يَمْنَعُ مِنْ نَبَاتِ الزَّرْعِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ لَيْسَ إلْقَاءُ الْبَذْرِ هُوَ جَمِيعُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَحْدَهُ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ لَوَجَبَ إذَا انْقَطَعَ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ