وَأَمَّا مَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ جَائِحَةَ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ تُوضَعُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ يُوضَعُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ بَعْضُ الزَّرْعِ قِيَاسًا عَلَى جَائِحَةِ الْمَبِيع فِي الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ: فَهَذَا غَلَطٌ ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلثَّمَرِ وَالزَّرْعِ مَلَكَ بِالْعَقْدِ نَفْسَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ . فَإِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَبْضِ تَلِفَتْ مِنْ مِلْك الْبَائِعِ . وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ الِانْتِفَاعَ بِالْأَرْضِ . وَأَمَّا الزَّرْعُ نَفْسُهُ فَهُوَ مِلْكُهُ الْحَادِثُ عَلَى مِلْكِهِ ؛ لَمْ يَمْلِكْهُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَإِنَّمَا مَلَكَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي تُنْبِتُهُ إلَى حِينِ كَمَالِ صَلَاحِهِ . فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ جَائِحَةِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ الْمُشْتَرَى وَبَيْنَ الْجَائِحَةِ فِي مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ الْمَزْرُوعَةِ ؛ فَإِنَّ هَذَا مَزَلَّةُ أَقْدَامٍ وَمَضَلَّةُ أَفْهَامٍ غَلِطَ فِيهَا خَلَائِقُ مِنْ الْحُكَّامِ وَالْمُقَوِّمِينَ والمجيحين وَالْمُلَّاكِ وَالْمُسْتَأْجِرِين حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ جَائِحَةَ الْإِجَارَةِ لِلْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ بِمَنْزِلَةِ جَائِحَةِ الزَّرْعِ الْمُشْتَرَى . وَبَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ يَظُنُّ أَنَّ الْأَرْضَ الْمَزْرُوعَةَ إذَا حَصَلَ بِهَا آفَةٌ مَنَعَتْ مِنْ كَمَالِ الزَّرْعِ لَمْ تَنْقُصْ الْمَنْفَعَةَ وَلَمْ يَتْلَفْ شَيْءٌ مِنْهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ غَلَطٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ . وَنَظِيرُ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلِازْدِرَاعِ الْأَرْضُ الْمُسْتَأْجَرَةُ لِلْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ؛ فَإِنَّ الْمُؤَجِّرَ لَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ إذَا تَلِفَ ؛ وَلَكِنْ لَوْ حَصَلَتْ آفَةٌ مَنَعَتْ كَمَالَ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْعَقْدِ مِثْلَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَدُوٌّ يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِالْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ أَوْ تَحْصُلَ آفَةٌ مِنْ جَرَادٍ أَوْ آفَةٍ تُفْسِدُ الشَّجَرَ الْمَغْرُوسَ أَوْ حَصَلَ رِيحٌ يَهْدِمُ الْأَبْنِيَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهُنَا نَقَصَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالْعَقْدِ نَظِيرَ نَقْصِ الْمَنْفَعَةِ فِي الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ . وَلَمَّا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ تُوضَعُ عَنْهُ الْجَائِحَةُ فِي نَفْسِ الزَّرْعِ وَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ كَالْمُشْتَرِي: نَفَى ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَنَقَلَهُ أَصْحَابُنَا . كَالْقَاضِي وَأَبِي مُحَمَّدٍ حَيْثُ قَالُوا - وَاللَّفْظُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ -: إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا فَتَلِفَ الزَّرْعُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْأَرْضِ وَلَمْ تَتْلَفْ إنَّمَا تَلِفَ مَالُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا فَصَارَ كَدَارِ اسْتَأْجَرَهَا لِيُقَصِّرَ فِيهَا ثِيَابًا فَتَلِفَتْ الثِّيَابُ فِيهَا . فَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُؤَجِّرَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْ زَرْعِ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا يَضْمَنُ الْبَائِعُ بِزَرْعِ الْمُشْتَرِي وَلِذَلِكَ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي بَابِ جَوَائِحِ الْأَعْيَانِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّالِفَ إنَّمَا هُوَ عَيْنُ مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ لَا الْمَنْفَعَةُ . وَهَذَا حَسَنٌ فِي نَفْيِ ضَمَانِ نَفْسِ الزَّرْعِ . وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَلِفَ الزَّرْعُ بَعْدَ كَمَالِهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ نَفْسَ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا تَنْقُصُ وَتَتَعَطَّلُ بِمَا يُصِيبُ الزَّرْعَ مِنْ الْآفَةِ فَيَحُطُّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ . فَمَا نَفَى فِيهِ الشَّيْخُ الْخِلَافَ ضَمَانَ نَقْصِ الْعَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ ضَمَانَ نَقْصِ الْمَنْفَعَةِ هُنَا ؛ لَكِنْ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ . وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ اشْتِبَاهٍ وَفِي كَلَامِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا إجْمَالٌ . وَبِمَا حَقَّقْنَاهُ يَتَّضِحُ الصَّوَابُ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .