فَنَسِيَهُمْ { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ } { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ } . وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى الْمُتَصَوَّرَ فِي الْقَلْبِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ اللَّفْظِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ مِنْ الْكَلَامِ ؛"وَالْكَلَامُ"اسْمٌ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَحَدُهُمَا ؛ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ ذَكَرَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ أَوْ لِسَانِهِ فَقَدْ ذَكَرَهُ لَكِنْ ذَكَرَهُ بِهِمَا أَتَمُّ . وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ وَأَمَرَ بِالتَّسْبِيحِ بِاسْمِهِ كَمَا أَمَرَ بِدُعَائِهِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى ؛ فَيُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَيُسَبَّحُ اسْمُهُ وَتَسْبِيحُ اسْمِهِ هُوَ تَسْبِيحٌ لَهُ ؛ إذْ الْمَقْصُودُ بِالِاسْمِ الْمُسَمَّى ؛ كَمَا أَنَّ دُعَاءَ الِاسْمِ هُوَ دُعَاءُ الْمُسَمَّى . قَالَ تَعَالَى: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } . وَاَللَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِذِكْرِهِ تَارَةً وَبِذِكْرِ اسْمِهِ تَارَةً ؛ كَمَا يَأْمُرُ بِتَسْبِيحِهِ تَارَةً وَتَسْبِيحِ اسْمِهِ تَارَةً ؛ فَقَالَ: { اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا } { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ } وَهَذَا كَثِيرٌ . وَقَالَ: { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا } كَمَا قَالَ: { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ } . لَكِنْ هُنَا يُقَالُ: بِسْمِ اللَّهِ ؛ فَيَذْكُرُ نَفْسَ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ"أَلِف سِينٌ مِيمٌ"وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ } فَيُقَالُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ . وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ قَوْل مَنْ جَعَلَ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى . وَقَوْلُهُ فِي الذَّبِيحَةِ { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } كَقَوْلِهِ: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } وَقَوْلُهُ: { بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } فَقَوْلُهُ: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } هُوَ قِرَاءَةُ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِ السُّوَرِ . وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ مَأْمُورٌ أَنْ يَقْرَأَ بِسْمِ اللَّهِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ ؛ بَلْ هِيَ تَابِعَةٌ لِغَيْرِهَا وَهُنَا يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَمَا كَتَبَ سُلَيْمَانُ وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ ؛ فَيُنْطَقُ بِنَفْسِ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ مُسَمَّى لَا يَقُولُ بِاَللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ } فَإِنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهُنَا قَالَ: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } لَمْ يَقُلْ: اقْرَأْ اسْمِ رَبِّك وَقَوْلُهُ: { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ } يَقْتَضِي أَنْ يَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ } فَقَدْ يَتَنَاوَلُ ذِكْرَ الْقَلْبِ . وَقَوْلُهُ: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } هُوَ كَقَوْلِ الْآكِلِ بِاسْمِ اللَّهِ . وَالذَّابِحِ بِاسْمِ اللَّهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" { وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللَّهِ } ". وَأَمَّا التَّسْبِيحُ فَقَدْ قَالَ: { وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } وَقَالَ: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } وَقَالَ: { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } . وَفِي الدُّعَاءِ: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } فَقَوْلُهُ: { أَيًّا مَا تَدْعُوا } يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْمَدْعُوِّ لِقَوْلِهِ { أَيًّا مَا } وَقَوْلُهُ { فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } يَقْتَضِي أَنَّ الْمَدْعُوَّ وَاحِدٌ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَقَوْلُهُ { ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ } - وَلَمْ يَقُلْ اُدْعُوا بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ - يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمَدْعُوَّ هُوَ الرَّبُّ