قال: إني لأستحيي من الله ألا أدع له يدًا يبطش بها، ولا رجلًا يمشي عليها؛ ولأن قطعها يفوت منفعة الحبس، فلم يشرع، كالقتل.
والثانية: تقطع يده اليسرى، فإن عاد، فسرق مرة رابعة، قطعت رجله اليمنى؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله» ؛ ولأنها يد تقطع قودًا، فجاز قطعها في السرقة كاليمنى، ولأن أبا بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قطعا اليد اليسرى في المرة الثالثة. فإن سرق بعد قطع يديه ورجليه، حبس وعزر، وكذلك إن سرق ثالثة على الرواية الأولى، فإنه يحبس ولا يقطع؛ لما روى سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: أتي عمر بن الخطاب برجل أقطع اليد والرجل قد سرق، فأمر به عمر أن تقطع رجله، فقال علي: إنما قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] إلى آخر الآية. وقد قطعت يد هذا ورجله، فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها، إما أن تعزره، أو تستودعه السجن، فاستودعه السجن.
فصل
فإن سرق ويده اليمنى صحيحة، واليسرى مقطوعة، أو شلاء، انبنى على الروايتين، فإن قلنا: إن يسراه تقطع في المرة الثالثة، قطعت يمناه هاهنا؛ لأنها موجودة، وسبب قطعها متحقق. وإن قلنا: لا تقطع يسراه، لم تقطع يمينه؛ لأن قطعها يفوت منفعة الحبس، ويتركه لا يد له يبطش بها، وكذلك إن كانت يسراه صحيحة فقطعت، أو شلت قبل يمينه، فالحكم على ما ذكرنا. وإن كانت اليد قد قطعت أصابعها، أو معظمها، فهو كقطعها؛ لأنه يفوت منفعة البطش.
فصل
وإذا وجب قطع يمنيه، فقطع القاطع يساره، أساء، وأجزأ، ولا تقطع يمينه، لئلا تقطع يداه بسرقة واحدة، ولأن قطعها يفوت منفعة البطش، ويتخرج على الرواية التي تقول: تقطع أربعته، أن تقطع يمناه، كما لو قطعت يسراه عدوانًا، فعلى هذا إن كان السارق أخرجها عمدًا عالمًا أنها لا تجزئ، فلا ضمان على قاطعها؛ لأنه قطعها بإذنه. وإن أخرجها دهشة، أو ظنًا أنها تجزئه، فعلى القاطع ضمانها بالقصاص إن تعمد، وبالدية إن كان جاهلًا بالحال؛ لأنه قطع يدًا معصومة عمدًا، فضمنها، كما لو قطع يد غير السارق.