فهرس الكتاب
و كذلك يرى الرجل من ألوان النساء الكثير، و يتحدث إلى كثيرات و يختلط بكثيرات، فهذه أجمل من زوجته، و هذه أكثر رقة و نعومة، و تلك تفوقها ظرفًا ... و .. و .. ، فيعود إلى زوجته مساء زاهدًا فيها، و يتمنى لو أنه تمهل قبل أن يقدم على الزواج. و ربما كانت زوجته من الجميلات، و لكن البشر عامة -و الرجال خاصة- يحبون التغيير، و يرغبون في كل جديد. كما أن تعوُّد الرجل على رؤية زوجته يفقدها جاذبيتها و جمالها مع السنين، فيبدو الجفاء في تصرفاته، و البغض في نبراته، وقد تتحول حياة الأسرة من نعيم إلى جحيم.
قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ ? يَقُولُ:"تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا [1] نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ. وَأَيّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ. حَتّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْل الصّفَا، فَلاَ تَضُرّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، و يصيرالاَخَرَ أَسْوَدَ مُرْبَادًا [2] كَالْكُوزِ مُجَخّيًا [3] لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلاّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ".
رواه مسلم
لقد بيّن الذي لا ينطق عن الهوى أن الفتنة لا تأتي دفعة واحدة، بل تعرض الفتن على القلوب شيئًا فشيئًا. أي أن المرأة أو الرجل إذا اجتمعا في إطار عمل، أو علم واحد، لا يحدث المحظور من أول لقاء بينهما، بل يكون الأمر كما قال الشاعر أحمد شوقي رحمه الله:
نظرة فابتسامة فسلام فكلام ... فموعد فلقاء
و نورد فيما يلي ثلاثة أمثال تبين بجلاء كيف تُعرض الفتن علىلقلوب عودًا عودًا حيث يصبح كل عود أساسًا للعود الذي يليه يرتكز عليه، حتى يكتمل حصير الفتن الأسود.
المثال الأول:
(1) 1 - أشربها: اعتادها بعد أن اختلطت، و امتزجت به.
(2) 2 - مربادًا: مائلا لونه إلى الغُبْرة.
(3) 3 - مجخيًا: منكوسًا.