فهرس الكتاب
لمْ يقصص الله - سبحانه وتعالى - على رسوله قصة ابنتي شعيب عليه السلام للتفكه و التسلية، بل ليعلِّم المؤمنين دينهم، و يهديهم إلى ما يصلحهم لعمارة هذه الأرض و خلافتها في أحوال الضرورة، و ليعلِّمهم كيف يتجاوزون هذه الضرورة بسلام.
لقد رأى موسى عليه السلام أنثيين ترعيان الغنم، فهاله هذا المشهد، و أنكر فعلهما بقوله:"ما خطبكما؟"أي: ما الأمر العظيم الذي اضطركما إلى الخروج للعمل الذي يُوكل إلى الذكور دون النساء في شرع الله سبحانه؟.
و كانت الأنثيان بنتي نبي الله شعيب عليه السلام، و كانتا تعلمان أن خروجهما من بيتهما إنما كان لضرورة طرأت، و رغم هذه الضرورة أبت فطرتهما الاختلاط بالرجال، أو الركون إلى العمل كالرجال في هذه الفترة الطارئة، فوصف - سبحانه وتعالى - عفتهما و هما تقومان بالعمل بقوله:"و وجد من دونهم امرأتين تذودان"أي: أنهما عندما خرجتا مضطرتين للعمل أخذتا الضرورة بقدرها، فلم تختلطا بالرجال (الرعاء) بل قامتا بذود غنمهما عن الشرب مع غنم الرعاة، و قد فهمت المرأتان مراد موسى عليه السلام بسؤاله:"ما خطبكما؟"فأجابتاه من فورهما بما يدفع عنهما الشبهة ... و يبين عذرهما قائلتين:"لا نسقي حتى يصدر الرعاء و أبونا شيخ كبير".
فأما السبب الأول في خروجهما للعمل فهو أن ليس ثمة ذكر يقوم بهذا العمل، و بينتا ذلك لموسى عليه السلام عندما أنكر عليهما فقالتا"و أبونا شيخ كبير"، فأبوهما ليس شيخًا و حسب بل هو شيخ كبير لا يقوى على العمل و لا أخ و لا زوج لهما، كما انتفى المجتمع الإيماني في تلك القرية، فلم يكن في مجتمعهما من يقوم بالكدح عنهما فخرجتا إلى العمل بإلحاح الضرورة.
فكان لزامًا على موسى عليه السلام الذي يمثل المجتمع الإيماني أن يسقي لهما، لأن الضرورة اضطرتهما لأخذ الرخصة بعد تكامل شروطها دون بغي أو عدوان ... و كيف لا يفعل؟ و هو نبي مسؤول عن تنفيذ منهج الحق في الأرض"فسقى لهما".