فهرس الكتاب
والدليل على هذا الحمق أن نجد الكثير منا إلا من رحم الله يكد ويتعب من أجل مستقبل قريب يسعى ـ بزعمه ـ لتأمينه ،وهذا المستقبل بالإضافة إلى ما قد مرّ من عمْر الإنسان لا يتعدى في الغالب الستين أو السبعين سنة ، وقليل من يتجاوز ذلك ، ولنفرض أنه مائة أو أكثر ، فماذا تساوي بالنسبة إلى المستقبل البعيد الأبدي السرمدي والذي لا نهاية له ؟ إنها لا تساوي شيئًا، فلماذا نحن بالمستقبل القريب الفاني مشتغلون وعليه مثابرون ، وعن مستقبلنا الأبدي السرمدي منشغلون ولاهون ؟ إنه لابد من وقفة محاسبة وتأمل.
إن أعظم قضية يجب أن ينشغل بال كل واحد منا بها هي: قضية وجوده وحياته والغاية منها ، وقضية مستقبله ومصيره وشقائه وسعادته ؛ فلا يجوز أن يتقدم ذلك شيء مهما كان شأنه ، فكل أمر دونه صغير ، وكل خطب سواه حقير ، وهل هناك خطب أعظم وأفظع من أن يخسر الإنسان حياته وأهله ، ويخسر سعادته وسعادتهم ؟! فماذا بقي له بعد ذلك ؟ وما قيمة الدنيا الفانية وزخرفها وزينتها وراء ذلك ؟ قال تعالى: (( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) ) (الزمر:15) .
ولو لم يكن في انتظارنا إلا الموت وسكراته وغصصه لكفى به واعظًا ومكدّرًا ، فكيف ووراءه يوم البعث والحساب والجزاء والجنة أو النار.
يومٌ تحار فيه العقول ، وتذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت ، ويكون الولدان فيه شيبًا . لأجل كل ما سبق ، ولما آنسته من نفسي وكثير من إخواني من قسوة وغفلة القلوب ؛رأيت أن أكتب لنفسي وإخواني المسلمين عن هذا النبأ العظيم ، الذي نحن عنه غافلون ، وبدنيانا عنه مشتغلون.
وقد عنونت له بقوله تعالى: (( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ) ).